دليل حفري في مصر يكشف أسرار الزواحف الطائرة بالعصر الطباشيري
نجح فريق بحثي في توثيق أول دليل مؤكد على وجود الزواحف الطائرة في مصر، وهي كائنات سيطرت على سماء الأرض قبل أكثر من 95 مليون عام.
ولا تقتصر أهمية الاكتشاف على كونه يضيف نوعًا جديدًا إلى السجل الأحفوري المصري، بل يفتح نافذة أوسع لفهم النظم البيئية التي ازدهرت في الواحات البحرية خلال العصر الطباشيري، ويعزز مكانة مصر بوصفها أحد أهم المواقع العالمية لدراسة تاريخ الحياة القديمة.
ونجح فريق بحثي مصري، بقيادة مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية «سلام لاب»، وبالتعاون مع وزارة البيئة المصرية، ومتحف دنفر للطبيعة والعلوم، ومتحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي في الولايات المتحدة، في توثيق أول دليل حفري مؤكد على وجود التيروصورات (الزواحف الطائرة) في مصر، في اكتشاف يمثل محطة مهمة في دراسة تاريخ الحياة القديمة، ويضيف بعدًا جديدًا لفهم النظم البيئية التي شهدتها البلاد قبل أكثر من 95 مليون عام.
حفرية نادرة من سماء مصر القديمة
تمكن الباحثون من توثيق الحفرية عبر عظمة تمثل العقلة الأولى من الإصبع الرابع في جناح التيروصور، وهو الإصبع المسؤول عن حمل الغشاء الجناحي الذي مكن هذه الكائنات من الطيران.
وبناءً على حجم العظمة، قدر الفريق أن الكائن امتلك باع جناحين يبلغ نحو أربعة أمتار، ما يجعله من التيروصورات متوسطة الحجم التي كانت تحلق فوق الأنهار والسهول الفيضية والبيئات الساحلية التي غطت شمال مصر خلال العصر الطباشيري المتأخر.
ويمثل هذا الاكتشاف أول دليل قاطع على وجود هذه الزواحف الطائرة في مصر، بعد أكثر من قرن من دراسة حفريات العصر الطباشيري في البلاد.
الواحات البحرية.. سجل متكامل للحياة القديمة
يضيف الاكتشاف بعدًا جديدًا إلى أهمية الواحات البحرية، التي تعد واحدة من أبرز المواقع الحفرية في أفريقيا، بعدما اشتهرت سابقاً بالكشف عن ديناصورات عملاقة مثل «سبينوصور» و«بحرياصور» و«باراليتيتان» و«إيجيبتوصور»، إلى جانب حفريات التماسيح والسلاحف والأسماك القديمة.
ومع العثور على أول حفرية مؤكدة لتيروصور، يكتمل للمرة الأولى تصور النظام البيئي القديم للمنطقة؛ إذ لم تعد الحفريات تقتصر على الكائنات التي عاشت على اليابسة أو في المياه، بل امتدت لتكشف عن الكائنات التي كانت تهيمن على السماء.
من هي التيروصورات؟
تُعد التيروصورات أول الفقاريات التي طورت القدرة على الطيران في تاريخ الحياة على الأرض، إذ سبقت ظهور الطيور بعشرات الملايين من السنين. ورغم أنها عاشت إلى جانب الديناصورات، فإنها ليست ديناصورات طائرة ولا تُعد أسلافًا مباشرة للطيور، بل تمثل مجموعة مستقلة من الزواحف ترتبط بالديناصورات بعلاقة قرابة تطورية.
وامتلكت هذه الكائنات أجنحة غشائية تمتد بين الجسم والإصبع الرابع الطويل، ما منحها قدرة كبيرة على التحليق لمسافات طويلة مستفيدة من التيارات الهوائية. كما تنوعت أنظمتها الغذائية بين صيد الأسماك والفقاريات الصغيرة واللافقاريات، إضافة إلى التغذي على الجيف، واستمرت في السيطرة على السماء لأكثر من 150 مليون سنة قبل أن تنقرض مع نهاية العصر الطباشيري قبل نحو 66 مليون سنة.
لماذا تُعد الحفرية استثنائية؟
تكمن أهمية الاكتشاف أيضاً في ندرة حفريات التيروصورات على مستوى العالم، إذ إن عظامها كانت خفيفة ورقيقة ومجوفة لتناسب الطيران، وهي صفات جعلتها أقل قابلية للتحجر مقارنة بعظام الديناصورات أو الزواحف الأخرى.
كما تمثل الحفرية المصرية أول جزء محفوظ ثلاثي الأبعاد من جناح تيروصور يُكتشف في تكوين البحرية، ما يوفر معلومات تشريحية نادرة عن جهاز الطيران لدى هذه الكائنات، ويساعد العلماء على فهم انتشارها على امتداد الساحل الجنوبي لبحر تيثس القديم خلال العصر الطباشيري.
سد فجوة في السجل الحفري
أكدت الدراسة أن هذا الاكتشاف يمثل أول سجل حفري موثق للتيروصورات في مصر، ويسد فجوة جغرافية مهمة في خريطة انتشار هذه الزواحف الطائرة، خاصة أن وجودها كان معروفاً سابقاً في المغرب وتونس ولبنان والأردن، بينما ظلت مصر تفتقر إلى أي دليل حفري مؤكد.
وأوضح بلال سالم، طالب الدكتوراه بجامعة أوهايو، وعضو فريق «سلام لاب» والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن الحفرية عُثر عليها خلال أول بعثة ميدانية شارك فيها إلى الواحات البحرية عام 2018، قبل أن تصبح محورًا رئيسياً في أبحاثه.
وقال إن دراسة حفريات العصر الطباشيري في مصر تمتد لنحو 125 عامًا، لكن لم يعثر خلالها على أي دليل يثبت وجود التيروصورات، مؤكداً أن الاكتشاف يسد فجوة مهمة في فهم توزيع الزواحف الطائرة خلال العصر السينوماني في شمال أفريقيا.
اكتشاف يعكس ثراء التراث الحفري المصري
وأشار سالم إلى أن الواحات البحرية تعد من أشهر مواقع الديناصورات في أفريقيا، ولذلك فإن العثور على أول حفرية مؤكدة لتيروصور في هذا الموقع يمثل لحظة علمية استثنائية، مؤكدًا أن صخور الصحراء الغربية لا تزال تكشف مع كل بعثة جديدة صفحات غير معروفة من تاريخ الحياة القديمة.
من جانبه، قال عالم الحفريات هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ورئيس الفريق البحثي، إن الاكتشاف يؤكد أهمية مواصلة أعمال التنقيب في المواقع الحفرية المصرية، موضحاً أن كل بعثة جديدة تحمل فرصة للإجابة عن أسئلة علمية ظلت مطروحة لعقود.
وأضاف أن الدراسة أظهرت أن العظمة المكتشفة تنتمي إلى مجموعة Ornithocheiriformes، وهي من التيروصورات طويلة الأجنحة التي ازدهرت خلال العصر الطباشيري، ما يضيف دليلًا جديداً على تنوع الحياة التي شهدتها الأراضي المصرية قبل ملايين السنين، ويعزز مكانة مصر على خريطة الاكتشافات الحفرية العالمية.
ويمثل هذا الاكتشاف خطوة جديدة في مسيرة استكشاف الماضي السحيق لمصر، مؤكدًا أن صخور الصحراء الغربية لا تزال تخبئ كثيرًا من الأسرار التي تنتظر الكشف عنها. كما يعكس الإنجاز الدور المتنامي للباحثين المصريين في مجال الحفريات، ويسهم في إثراء السجل العلمي العالمي حول تطور الكائنات الحية والنظم البيئية القديمة، بما يعزز مكانة مصر على خريطة الاكتشافات الأحفورية ذات الأهمية الدولية.
