«ناسا» تسابق الزمن لإنقاذ تلسكوب «سويفت»
مع تزايد الاعتماد على الأقمار الصناعية والتلسكوبات في استكشاف الفضاء، أصبحت صيانة هذه الأصول العلمية وإطالة عمرها التشغيلي تحديًا متناميًا أمام وكالات الفضاء. وفي خطوة قد تمثل تحولًا مهمًا في تقنيات الخدمة المدارية، تستعد وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» لتنفيذ مهمة روبوتية غير مسبوقة لإنقاذ تلسكوب «سويفت» من الهبوط نحو الأرض، بما يفتح آفاقًا جديدة للحفاظ على المراصد الفضائية وإعادة استخدامها لسنوات إضافية.
وتستعد وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» لتنفيذ مهمة فضائية تعد من أكثر عمليات الصيانة المدارية طموحًا، في محاولة لإنقاذ تلسكوب «سويفت» من الهبوط التدريجي نحو الأرض. وتعتمد المهمة على مركبة روبوتية متطورة صممتها شركة «كاتاليست سبيس تكنولوجيز»، في خطوة قد تفتح الباب أمام عصر جديد من صيانة المركبات الفضائية وإطالة عمرها التشغيلي.
مهمة إنقاذ بتكلفة 30 مليون دولار
تبلغ تكلفة المهمة نحو 30 مليون دولار، ومن المقرر إطلاقها خلال الأيام المقبلة. واختارت «ناسا» شركة «كاتاليست سبيس تكنولوجيز» الناشئة لتنفيذ المهمة، التي تستهدف رفع مدار مرصد «سويفت» الفضائي، بما يتيح له مواصلة رصد الانفجارات الكونية وأشعة غاما ذات الطاقة الهائلة.
مركبة روبوتية بثلاثة أذرع
تنطلق المركبة الفضائية «لينك» من جزيرة مرجانية في جزر مارشال بالمحيط الهادئ، على متن صاروخ «بيجاسوس» الذي يطلق من طائرة أثناء التحليق.
ويبلغ وزن «لينك» نحو 400 كيلوغرام، ويصل ارتفاعها إلى نحو خمسة أقدام، أي ما يعادل ثلث حجم تلسكوب «سويفت». وزُودت المركبة بثلاثة أذرع آلية مزودة بمقابض شبيهة بالأصابع، إلى جانب ثلاثة محركات دفع أيونية تعتمد على الغاز المشحون والطاقة الكهربائية، فضلًا عن ألواح شمسية تمتد لنحو 20 قدمًا لتوفير الطاقة اللازمة للمهمة.
أشهر من المناورات لرفع المدار
بعد الإطلاق، تقضي المركبة نحو شهر في تنفيذ مناورات دقيقة للاقتراب من «سويفت»، قبل أن تبدأ عملية رفع مداره تدريجيًا، والتي يتوقع أن تستغرق بين شهرين وثلاثة أشهر.
وتهدف العملية إلى نقل التلسكوب من مداره الحالي على ارتفاع 360 كيلومترًا إلى مدار أكثر أمانًا على ارتفاع 600 كيلومتر، ما يمنحه سنوات إضافية من العمل العلمي.
لماذا يهبط «سويفت»؟
منذ إطلاقه عام 2004، أسهم تلسكوب «سويفت» في دراسة بعض أعنف الظواهر الكونية، إلا أن مداره بدأ يتراجع بوتيرة متزايدة نتيجة النشاط الشمسي المكثف.
فالتوهجات الشمسية تؤدي إلى تسخين وتمدد الغلاف الجوي الخارجي للأرض، ما يزيد من مقاومة الهواء الخفيف الموجودة في المدارات المنخفضة، وبالتالي تتباطأ سرعة التلسكوب تدريجيًا ويفقد ارتفاعه.
ولكسب مزيد من الوقت، عمد فريق العمليات في «ناسا» منذ فبراير الماضي إلى إيقاف الأجهزة العلمية مؤقتًا وإعادة توجيه المرصد بطريقة تقلل تأثير مقاومة الغلاف الجوي.
خطوة قد تنقذ «هابل» مستقبلًا
لا تقتصر أهمية المهمة على إنقاذ «سويفت» فحسب، بل قد تشكل نموذجًا لإنقاذ تلسكوبات أخرى تواجه المصير نفسه، وفي مقدمتها تلسكوب «هابل»، الذي يفقد ارتفاعه تدريجياً أيضاً بفعل النشاط الشمسي.
وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «كاتاليست سبيس»، جونهي لي، أن الشركة تعمل حاليًا على تطوير جيل جديد من الروبوتات الفضائية، قد يكون قادرًا خلال السنوات المقبلة على تنفيذ مهمة مشابهة لإنقاذ «هابل»، الذي يتميز بحجم أكبر وتعقيد أعلى.
ثقة متزايدة في نجاح المهمة
أشار مدير قسم الفيزياء الفلكية في «ناسا»، شون دوماغال-غولدمان، إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة يمثل إنجازًا بحد ذاته، قائلًا إن كثيرين لم يتوقعوا أن تصبح مثل هذه المهمة ممكنة في الوقت الحالي.
وكانت «ناسا» قد منحت شركة «كاتاليست سبيس تكنولوجيز» عقد تنفيذ المشروع في سبتمبر الماضي، مع مهلة لم تتجاوز تسعة أشهر لتصميم المركبة وبنائها واختبارها ثم تجهيزها للإطلاق، وهو جدول زمني يُعد من الأسرع في مثل هذه المشاريع الفضائية.
تجربة أميركية غير مسبوقة
تمثل هذه المهمة أول محاولة تقودها شركة أميركية خاصة لصيانة مركبة فضائية لم تُصمم أساسًا لاستقبال عمليات خدمة روبوتية في المدار.
وسبق للصين أن نفذت تجربة مشابهة قبل أربع سنوات، عندما نجحت في رفع قمر صناعي معطل إلى مدار أعلى مخصص لما يُعرف بـ«مقبرة الأقمار الصناعية»، إلا أن مهمة «سويفت» تُعد أكثر تعقيدًا من حيث طبيعة المرصد والأهداف العلمية المرجوة منها.
إذا كُتب لهذه المهمة النجاح، فلن تقتصر أهميتها على إنقاذ تلسكوب «سويفت» فحسب، بل قد تؤسس لمرحلة جديدة في صيانة المركبات الفضائية وإطالة عمرها التشغيلي. كما قد تمهد الطريق لتنفيذ مهام مماثلة لإنقاذ مراصد علمية أخرى، وفي مقدمتها «هابل»، بما يعزز الاستفادة من الاستثمارات الفضائية ويمنح العلماء فرصًا أكبر لمواصلة استكشاف أسرار الكون.
