حين تتحول اللهجة إلى تحدٍّ طبي للخوارزميات

كيف يفهم الذكاء الاصطناعي المرضى العرب؟

الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي

رغم أن مصطلح «الخوارزمية» يعود في جذوره إلى العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي، الذي وضع اللبنات الأولى لهذا العلم في بغداد قبل أكثر من ألف عام، فإن معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية المستخدمة اليوم ما زالت تعتمد في تدريبها على بيانات وسياقات لغوية غربية تختلف كثيراً عن البيئة العربية.

ومع التوسع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل القطاع الصحي، يبرز تساؤل مهم: هل تستطيع هذه الأنظمة فهم الطريقة التي يصف بها المرضى العرب أعراضهم وآلامهم، أم أن اختلاف اللغة والثقافة قد يحد من دقة أدائها؟

من الترجمة إلى فهم السياق

لا تقتصر المشكلة على قدرة الأنظمة الذكية على التحدث باللغة العربية أو ترجمتها، بل تتعلق بفهم المعاني الكامنة خلف الكلمات والتعابير المستخدمة في الحياة اليومية. فعملية التشخيص الطبي تبدأ غالباً من وصف المريض لحالته، ما يجعل فهم اللغة والسياق الثقافي جزءاً أساسياً من تقييم الحالة الصحية.

ولهذا بات بعض الباحثين ينظرون إلى التحدي من زاوية مختلفة: ليس كيف نجعل الذكاء الاصطناعي يتحدث العربية فحسب، بل كيف نجعله يفهم الإنسان العربي عندما يروي تفاصيل معاناته بلغته الخاصة.

اللهجات المحلية... لغة المرضى اليومية

في معظم العيادات العربية، لا يستخدم المرضى مصطلحات طبية دقيقة عند وصف أعراضهم، بل يلجأون إلى مفردات متداولة في بيئاتهم المحلية. فالشخص الذي يعاني من التقيؤ قد يقول في مصر «رجّعت»، وفي مناطق أخرى «تقيّيت»، بينما يستخدم العراقيون كلمة «زوّعت»، ويقول بعض سكان الخليج «طرّشت».

ورغم أن هذه التعبيرات تشير جميعها إلى العرض الطبي ذاته، فإنها تعكس تنوعاً لغوياً واسعاً قد يصعب على الأنظمة الذكية تفسيره بدقة إذا لم تُدرّب على هذه الفروق.

بالنسبة للطبيب، غالباً ما يكون فهم هذه المصطلحات أمراً تلقائياً بحكم معرفته بالبيئة المحلية، أما الخوارزميات فتعتمد على البيانات التي تدربت عليها، ما يجعل أي سوء فهم لغوي قابلاً للتأثير في تقييم الأعراض أو اقتراح التشخيصات المحتملة.

عندما تحمل الكلمة أكثر من معنى

لا يقتصر التحدي على اختلاف اللهجات، بل يمتد إلى الكلمات التي تحمل دلالات متعددة بحسب السياق. فكلمة مثل «كتمة» قد تشير لدى بعض المرضى إلى ضيق في التنفس، بينما يستخدمها آخرون للتعبير عن التوتر النفسي أو الشعور بالضغط والاختناق المعنوي.

في مثل هذه الحالات، يصبح المطلوب من الذكاء الاصطناعي فهم السياق الكامل للكلام، وليس مجرد تحليل الكلمات بصورة حرفية، وهو ما يزيد من تعقيد المهمة.

الذكاء الاصطناعي واللغة الطبية العربية

تعتمد الأنظمة الحديثة على تقنيات «معالجة اللغة الطبيعية» (Natural Language Processing)، التي تمكّنها من تحليل النصوص والكلام البشري وربطها بالمعلومات الطبية. إلا أن معظم هذه النماذج جرى تطويرها اعتماداً على بيانات باللغة الإنجليزية، وفي بيئات صحية تستخدم لغة طبية أكثر توحيداً.

أما في العالم العربي، فتتعدد اللهجات والتعابير المستخدمة لوصف الأعراض من دولة إلى أخرى، بل ومن مدينة إلى أخرى أحياناً، ما يجعل مهمة فهم اللغة الطبية اليومية أكثر تعقيداً.

دراسات تكشف الفجوة

أظهرت دراسة حديثة أجراها فريق من جامعة نيويورك أبوظبي بقيادة الباحثة شيماء أبو زهير، ونُشرت في فبراير (شباط) 2026 على منصة «أركايف»، وجود فجوة واضحة في أداء النماذج اللغوية الكبرى عند التعامل مع المحتوى الطبي العربي مقارنة بالمحتوى الإنجليزي.

وأشارت النتائج إلى أن هذه الفجوة تتسع كلما ازدادت درجة تعقيد المهمة الطبية، ما يسلط الضوء على أحد أبرز التحديات التي تواجه توظيف الذكاء الاصطناعي داخل الأنظمة الصحية العربية.

وفي دراسة أخرى نُشرت في مايو 2026 على منصة «ميد آر إكسيف» بعنوان «سلامة التشخيص الطبي المعتمد على الذكاء الاصطناعي عبر اللغات المختلفة»، تبين أن أداء بعض الأنظمة الطبية الذكية قد يختلف باختلاف اللغة المستخدمة في وصف الأعراض، ما يعني أن دقة التقييم قد تتأثر باللغة نفسها، وليس فقط بالحالة الصحية للمريض.

مستقبل الطب الذكي... هل يفهمنا حقاً؟

قد تتمكن الخوارزميات مستقبلاً من تحليل ملايين الصور الطبية خلال ثوانٍ، أو التنبؤ بالأمراض قبل ظهور أعراضها بوقت طويل، لكن نجاحها في العالم العربي قد يعتمد على مهمة أكثر بساطة في ظاهرها وأكثر تعقيداً في جوهرها: فهم الكلمات التي يستخدمها المرضى.

فالسؤال الأهم ربما لن يكون: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التحدث بالعربية؟ بل: هل يستطيع فهم الإنسان العربي بكل ما تحمله لغته ولهجاته وتجربته الثقافية من خصوصية؟

لأن التشخيص الطبي لا يبدأ من صورة الأشعة أو نتائج المختبر، بل من قصة يرويها المريض. وإذا أخطأت الخوارزمية في فهم بداية تلك القصة، فقد تخطئ في فهمها بالكامل.