هل حان عصر الطائرات الكهربائية؟

الطيران الكهربائي
الطيران الكهربائي

يشهد قطاع الطيران الكهربائي سباقًا متسارعًا لتطوير تقنيات قادرة على تجاوز العقبات التي طالما حدت من انتشاره، وفي مقدمتها الوزن المرتفع للبطاريات ومحدودية مدى الطيران. وتدفع هذه التحديات الشركات والمراكز البحثية حول العالم إلى اختبار حلول مبتكرة قد تحدث تحولًا جذريًا في مستقبل النقل الجوي، وتقرب الطائرات الكهربائية من منافسة الطيران التقليدي على نطاق أوسع.

وفي هذا الإطار، أعلن مشروع «هيليوس هورايزون» الأمريكي نجاح سلسلة من الرحلات التجريبية لطائرة كهربائية مزودة ببطاريات الحالة الصلبة، في خطوة ينظر إليها على أنها تقدم تقني واعد قد يفتح الباب أمام جيل جديد من الطائرات الكهربائية الأكثر كفاءة وقدرة على التحليق لمسافات أطول.

أول اختبار لطائرة مأهولة ببطاريات الحالة الصلبة

قاد الطيار المخضرم ميغيل إيتورميندي الرحلات التجريبية للطائرة بعد تزويدها بمنظومة بطاريات جديدة تعتمد على تقنية الحالة الصلبة. ورغم أن الاختبارات اقتصرت على رحلات قصيرة هدفت إلى تقييم توازن الطائرة وأدائها بعد التعديلات التقنية التي أُجريت عليها، فإنها تمثل أول استخدام معروف لهذه التقنية في طائرة مأهولة تقليدية ذات جناح ثابت.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في قطاع الطيران، إذ يعد وزن البطاريات أحد أهم العوامل المؤثرة في كفاءة الطائرة ومدى تحليقها، ما يجعل أي تحسن في كثافة الطاقة المخزنة عاملًا حاسمًا في تطوير الطيران الكهربائي.

زيادة كبيرة في كثافة الطاقة

كانت الطائرة تعتمد سابقًا على بطاريات توفر كثافة طاقة تبلغ نحو 260 واط/ساعة لكل كيلوغرام، إلا أن اعتماد بطاريات الحالة الصلبة رفع هذا الرقم إلى 410 واط/ساعة لكل كيلوغرام، أي بزيادة تقترب من 60%.

ويرى القائمون على المشروع أن هذه القفزة تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز أداء الطائرات الكهربائية، فيما أشار إيتورميندي إلى أن التطورات المنتظرة في هذه التكنولوجيا قد ترفع الكفاءة بنسبة إضافية تصل إلى 40% خلال العامين المقبلين، ما قد يمنح الطائرات الكهربائية مدى أطول وقدرات تشغيلية أكبر.

شحن سريع واستعادة للطاقة أثناء الطيران

يركز المشروع على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الطاقة المتاحة. وتتيح منظومة البطاريات الجديدة إمكانية الشحن السريع من الشبكة الكهربائية، مع القدرة على استعادة نحو 80% من السعة خلال أقل من 15 دقيقة.

كما زودت الطائرة بألواح شمسية مثبتة على الأجنحة للمساهمة في دعم منظومة الطاقة أثناء التحليق، إلى جانب نظام مبتكر لاستعادة الطاقة خلال الطيران الشراعي ومراحل الهبوط. ويعتمد هذا النظام على دوران المروحة بفعل تدفق الهواء، لتعمل بطريقة مشابهة لتوربينات الرياح، ما يسمح بإعادة جزء من الطاقة إلى البطاريات بدلًا من فقدانها.

ويعتقد فريق المشروع أن الجمع بين الشحن السريع والطاقة الشمسية وتقنيات استعادة الطاقة يمكن أن يسهم في زيادة مدى الطائرة وتحسين كفاءتها التشغيلية بصورة ملحوظة.

تعديلات تقنية متقدمة

اعتمد المشروع على طائرة شراعية مزودة بمحرك، خضعت لسلسلة من التعديلات الهندسية المتقدمة شملت تركيب وحدة دفع كهربائية جديدة، ونظامًا متطورًا لإدارة البطاريات، ومنظومة للتحكم الحراري تضمن الحفاظ على كفاءة التشغيل، إضافة إلى دمج الألواح الشمسية ضمن هيكل الطائرة بطريقة تسمح بالاستفادة منها دون التأثير في الأداء الديناميكي.

وتشكل هذه التعديلات جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى اختبار تكامل عدة تقنيات متقدمة داخل منصة طيران واحدة، بما يوفر بيانات عملية يمكن الاستفادة منها في تطوير أجيال مستقبلية من الطائرات الكهربائية.

السعي نحو أرقام قياسية جديدة

حققت الطائرة بالفعل إنجازًا لافتًا بعدما سجلت رقمًا قياسيًا عالميًا في الارتفاع ضمن فئتها من الطائرات الكهربائية، بوصولها إلى ارتفاع بلغ 7315 مترًا.

ولا يتوقف طموح فريق التطوير عند هذا الحد، إذ يعمل حاليًا على تنفيذ محاولة جديدة تستهدف بلوغ ارتفاع 12192 مترًا قبل نهاية العام الجاري، وهو ارتفاع يقترب من المستويات التشغيلية التي تحلق عندها الطائرات التجارية. وفي حال نجاح هذه المحاولة، فقد تمثل خطوة مهمة في إثبات قدرة الطيران الكهربائي على العمل في ظروف أكثر تعقيدًا وارتفاعات أكبر.

هل يقترب عصر الطيران الكهربائي؟

مع استمرار التطورات المتسارعة في تقنيات بطاريات الحالة الصلبة وأنظمة استعادة الطاقة، يبدو أن الطيران الكهربائي يقترب تدريجيًا من تجاوز العديد من العقبات التي أعاقت انتشاره خلال السنوات الماضية.

وتقدم تجربة «هيليوس هورايزون» مؤشرًا واضحًا على الإمكانات الكبيرة التي تحملها هذه التقنيات، ليس فقط من حيث زيادة كفاءة الطائرات الكهربائية ومدى تحليقها، بل أيضًا من خلال تمهيد الطريق نحو صناعة طيران أكثر استدامة وأقل اعتمادًا على الوقود التقليدي، ما قد يفتح فصلًا جديدًا في مستقبل النقل الجوي العالمي.