سر اختيار شهر محرم بداية للعام الهجري

العام الهجري
العام الهجري

مع اقتراب حلول العام الهجري الجديد، تتجدد لدى المسلمين ذكرى الهجرة النبوية التي شكّلت نقطة تحول مفصلية في التاريخ الإسلامي، إذ انتقل بها المسلمون من مرحلة الاستضعاف في مكة إلى بناء مجتمع ودولة في المدينة المنورة.

 ورغم ارتباط التقويم الهجري بهذه المناسبة العظيمة، فإن كثيرين يتساءلون عن سبب بدء السنة الهجرية بشهر المحرم، في حين أن الهجرة نفسها وقعت في شهر ربيع الأول، وبين الروايات التاريخية واجتهادات الصحابة، تكشف المصادر الإسلامية تفاصيل اختيار الهجرة أساساً للتقويم، والمحرم بدايةً للعام الهجري.

لماذا يبدأ العام الهجري بالمحرم رغم وقوع الهجرة في ربيع الأول؟

يحتفل المسلمون مع مطلع كل عام هجري بذكرى الهجرة النبوية، رغم أن عددًا من المؤرخين يؤكدون أن الهجرة الفعلية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وقعت في شهر ربيع الأول، واستغرقت نحو 12 يومًا، تنقل خلالها بين السير على الأقدام وركوب ناقته «القصواء».

الهجرة أساس التقويم الإسلامي

بعد استقرار النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة وقيام الدولة الإسلامية، أصبح للمسلمين كيان سياسي ومجتمعي متكامل، الأمر الذي استدعى اعتماد نقطة زمنية مرجعية يؤرخ بها للأحداث والوثائق. ومن هنا ارتبط التقويم الإسلامي بالهجرة النبوية بوصفها الحدث الأبرز في تاريخ المسلمين.

هل بدأ التأريخ بالهجرة في عهد عمر بن الخطاب؟

يرجع كثير من المؤرخين اعتماد التأريخ الهجري إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، لكن بعض علماء الحديث والفقه أشاروا إلى أن استخدام الهجرة مرجعًا زمنيًا ربما بدأ في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، قبل أن ينظم رسمياً في عهد عمر.

فقد ذكر الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه «تاريخ أصبهان» أن وصية نسيت إلى النبي محمد لأهل سلمان الفارسي تضمنت عبارة «في رجب سنة تسع من الهجرة». كما أورد الإمام السيوطي رواية تفيد بأن رسالة النبي إلى نصارى نجران تضمنت عبارة «لخمس من الهجرة»، ما يشير إلى استخدام الهجرة معيارًا زمنياً في بعض المكاتبات المبكرة.

عمر بن الخطاب وتنظيم التقويم

ورغم اختلاف الروايات حول البدايات الأولى للتأريخ بالهجرة، فالثابت تاريخيًا أن عمر بن الخطاب هو الذي اعتمد هذا النظام بشكل رسمي للدولة الإسلامية، وجعله أساسًا للتقويم المعمول به في المعاملات والوثائق الرسمية.

خلاف حول أول أشهر السنة الهجرية

لم يكن اختيار شهر المحرم ليكون بداية السنة الهجرية محل اتفاق منذ البداية، إذ طرحت عدة مقترحات خلال المشاورات التي جرت بين الصحابة. فهناك من رأى أن تبدأ السنة من شهر ربيع الأول، وهو شهر الهجرة الفعلية، بينما اقترح آخرون شهر رجب لمكانته الدينية، أو شهر رمضان لفضله، أو شهر ذي الحجة لارتباطه بموسم الحج.

لماذا وقع الاختيار على المحرم؟

بحسب ما أورده ابن عساكر في «تاريخ دمشق»، اقترح عثمان بن عفان أن يكون المحرم أول أشهر السنة الهجرية، باعتباره أول الأشهر الحرم، وأول شهر يأتي بعد انتهاء موسم الحج.

كما أوضح الحافظ ابن حجر العسقلاني أن اختيار المحرم يعود إلى أن العزم على الهجرة بدأ فعلياً بعد بيعة العقبة الثانية التي وقعت في ذي الحجة، وكان أول هلال ظهر بعد تلك البيعة هو هلال شهر المحرم، لذلك عُدّ البداية الأنسب للتقويم الهجري.

بيعة العقبة.. البداية الحقيقية لمسار الهجرة

تمثل بيعة العقبة الثانية محطة مفصلية في التاريخ الإسلامي، إذ تعهد وفد من الأنصار للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنصرة والحماية إذا قدم إلى المدينة، ما مهد الطريق للهجرة وإقامة الدولة الإسلامية. ولهذا رأى عدد من العلماء أن المحرم ارتبط ببداية مشروع الهجرة وإن لم يكن شهر وقوعها الفعلي.

المحرم بين الرمزية والتاريخ

هكذا، فإن اعتماد المحرم بدايةً للسنة الهجرية لا يعني أن الهجرة وقعت فيه، بل يعكس رمزية اللحظة التي بدأ فيها التخطيط العملي لهذا الحدث التاريخي، بينما بقيت الهجرة النبوية نفسها هي الأساس الذي انطلق منه المسلمون في حساب سنواتهم وتوثيق تاريخهم.

ويبقى التقويم الهجري شاهداً على واحدة من أعظم المحطات في التاريخ الإسلامي، إذ ارتبط بحدث الهجرة النبوية الذي غير مسار الدعوة الإسلامية وأرسى دعائم الدولة الجديدة. 

ورغم أن الهجرة وقعت في شهر ربيع الأول، فإن اختيار المحرم بدايةً للسنة الهجرية جاء نتيجة رؤية تاريخية وتنظيمية اتفق عليها الصحابة، ليظل هذا التقويم حاضراً في وجدان المسلمين، ومذكرًا بالقيم والمعاني التي حملتها رحلة الهجرة من إيمان وصبر وتخطيط وبناء.