تكنولوجيا جديدة تمنح الروبوتات والسيارات رؤية أكثر ذكاءً
تواجه السيارات ذاتية القيادة والروبوتات الحديثة تحديات كبيرة عند العمل في بيئات تتغير فيها الإضاءة بشكل مفاجئ أو تتداخل فيها المناطق المضيئة والمظلمة. ففي مثل هذه الظروف، قد تعجز الكاميرات التقليدية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي عن تمييز التفاصيل المهمة بالسرعة والدقة المطلوبتين.
وفي محاولة لمعالجة هذه المعضلة، طوّر باحثون بقيادة مهندس من جامعة ولاية بنسلفانيا تقنية جديدة مستوحاة من آلية عمل العين البشرية، تعتمد على مكوّن إلكتروني قادر على تعديل حساسيته للضوء تلقائياً وفقاً للبيئة المحيطة.
عندما تصبح الإضاءة عقبة أمام الآلات
تؤدي أنظمة الرؤية الاصطناعية أداءً جيداً في الظروف الضوئية المستقرة، سواء كانت الإضاءة قوية أو خافتة. لكن الصعوبة تظهر عندما يجتمع السطوع الشديد مع الظلال العميقة في المشهد نفسه.
وتبرز هذه المشكلة في العديد من التطبيقات العملية، مثل حاجة السيارة ذاتية القيادة إلى رصد إشارة مرور أو مشاة في طريق مظلم وسط أضواء المركبات المقابلة، أو تنقل الروبوتات بين مناطق متفاوتة الإضاءة داخل المصانع والمستودعات.
استلهام الحل من الطبيعة
استوحى الباحثون فكرتهم من الطريقة التي تتعامل بها العين البشرية مع اختلاف مستويات الضوء. فالخلايا العصوية والمخروطية في العين تتكيف باستمرار مع البيئة المحيطة، ما يسمح للإنسان برؤية التفاصيل في الظلام والضوء على حد سواء.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، طوّر الفريق جهازاً من فئة «الفوتوممريستور»، وهو عنصر إلكتروني يجمع بين استشعار الضوء والقدرة على الاحتفاظ بمعلومات عن حالته السابقة، بما يتيح له تعديل استجابته الضوئية بشكل تلقائي.
مواد ذكية تتفاعل مع الضوء
اعتمد الباحثون في تصنيع الجهاز على مادتين أساسيتين: مادة بوليمرية موصلة تُعرف باسم «بيدوت» (PEDOT)، وثاني أكسيد التيتانيوم.
ويعمل ثاني أكسيد التيتانيوم على التقاط الضوء وتحويله إلى إشارات كهربائية، بينما تتغير خصائص مادة «بيدوت» تبعاً لذلك. ففي الظلام تمتص المادة الماء بسرعة، أما عند التعرض للضوء فتفقده تدريجياً، وهو ما يسمح للجهاز بتعديل حساسيته بصورة ديناميكية تشبه آلية تكيف العين البشرية.
نتائج واعدة في الاختبارات
خضع الجهاز لسلسلة من الاختبارات باستخدام مستويات مختلفة من الأشعة فوق البنفسجية، وأظهر قدرة على قياس شدة الضوء بدقة عالية مع الحفاظ على استقرار الأداء رغم اختلاف مستويات الرطوبة.
ورغم أن حجم كل وحدة لا يتجاوز نصف مليمتر تقريباً، فإن الباحثين تمكنوا من دمج عدة وحدات في مصفوفة واحدة، ثم ربطها بشبكة عصبية لتشكيل نظام رؤية تجريبي.
وخلال التجارب، طُلب من النظام التعرف على حرف «F» مصنوع من مصابيح LED أمام خلفيات ضوئية متفاوتة السطوع. وبعد سبع دورات تدريبية فقط، نجح النظام في تمييز الأنماط بدقة تجاوزت 95%.
أسرع من قدرة العين على التكيّف
من أبرز نتائج الدراسة أن المكوّنات الجديدة استطاعت التكيف مع التغيرات الضوئية خلال ثوانٍ معدودة، بينما قد تحتاج العين البشرية إلى ما بين 20 و30 دقيقة للوصول إلى التكيف الكامل في بعض ظروف الانتقال بين الضوء والظلام.
كما حافظت هذه المكوّنات على قدرتها على التقاط التفاصيل أثناء عملية التكيّف، وهو ما يعد ميزة مهمة لأنظمة الرؤية المستقبلية.
تطبيقات مستقبلية للسيارات والروبوتات
لا تزال التقنية في مراحلها البحثية الأولى، إلا أنها تفتح الباب أمام جيل جديد من أنظمة الاستشعار الذكية التي تعتمد على تحسين مكوّنات الرؤية نفسها، وليس فقط على تطوير البرمجيات والخوارزميات.
وقد تسهم هذه التقنية مستقبلاً في تعزيز أداء السيارات ذاتية القيادة داخل الأنفاق، وفي الطرق الليلية، وعند الانتقال المفاجئ بين الضوء والظل، إضافة إلى تحسين كفاءة الروبوتات العاملة في البيئات الصناعية المتغيرة.
نحو حواس اصطناعية متعددة
يعمل الفريق حالياً على تطوير أنظمة استشعار أكثر تقدماً تجمع بين الرؤية واللمس ضمن منصة واحدة، بما يسمح للروبوتات والآلات الذكية بالتفاعل مع محيطها بطريقة أقرب إلى الكائنات الحية.
ورغم أن التطبيقات الطبية لا تزال بعيدة المنال، فإن الباحثين يرون أن هذه التكنولوجيا قد تساهم مستقبلاً في تطوير أنظمة بصرية مساعدة لضعاف البصر. ويؤكد البحث في النهاية أن مستقبل الرؤية الاصطناعية قد يعتمد ليس فقط على ذكاء اصطناعي أكثر قوة، بل أيضاً على أجهزة استشعار تتعلم من أكثر أنظمة الرؤية تطوراً في الطبيعة: العين البشرية.
