لماذا أصبح الفضاء وجهة واعدة لأبحاث وتطوير الأدوية؟

صناعة الدواء في الفضاء
صناعة الدواء في الفضاء

ينظر العالم إلى الفضاء باعتباره الوجهة المقبلة للاستكشاف البشري، ولكن شركات الأدوية ترى فيه مختبرًا استثنائيًا لصناعة أدوية المستقبل، فغياب الجاذبية لا يمنح العلماء فرصة لفهم الكون فحسب، إذ يتيح أيضًا تطوير أدوية أكثر دقة وفعالية، ما يدفع قطاع الصناعات الدوائية إلى خوض سباق جديد خارج حدود الأرض قد يعيد رسم ملامح الطب الحديث خلال العقود المقبلة.

ومع التوسع المتسارع في البنية التحتية الفضائية، تتجه شركات متخصصة إلى استغلال بيئة الجاذبية الصغرى في المدار الأرضي المنخفض لتطوير أدوية وعلاجات يصعب إنتاجها بالكفاءة والجودة نفسيهما على سطح الأرض، وتشير تقديرات شركة مورغان ستانلي إلى أن حجم اقتصاد الفضاء قد يتجاوز تريليون دولار بحلول عام 2040، فيما يرى خبراء الصناعة أن القطاع الدوائي سيكون من أبرز المستفيدين من هذا النمو المتسارع.

شركات فضائية تتجه إلى سوق الدواء

في إطار هذا التوجه، أنشأت شركة ريد واير التابعة لقطاع الصناعات الفضائية شركة جديدة تحمل اسم "سبيس إم دي" بهدف تسويق منتجات دوائية يجري تطويرها في الفضاء، وبعد سنوات من العمل على تقنيات التصنيع والطباعة الحيوية في المدار، ترى الشركة أن الفرصة التجارية الأكبر تكمن في تطوير وسائل أكثر كفاءة لإيصال الأدوية إلى المرضى.

وأوضح الرئيس التنفيذي للشركة، جون فيلينغر، أن "سبيس إم دي" أطلقت حتى الآن عشرات الوحدات التجريبية واختبرت عشرات المركبات الدوائية، بالتعاون مع شركات عالمية كبرى مثل إيلي ليلي وبريستول مايرز سكويب، التي أبدت اهتمامًا بمواصلة التجارب على مركبات جديدة داخل بيئة الفضاء.

ما الذي يميز تصنيع الأدوية خارج الأرض؟

يرى الباحثون أن الجاذبية الأرضية تؤثر بشكل مباشر في نمو البلورات الدوائية بسبب ظواهر مثل الترسيب والحمل الحراري، ما قد يؤدي إلى تفاوت في جودة المنتج النهائي. أما في بيئة الجاذبية الصغرى، فتتكون البلورات بصورة أكثر انتظامًا واستقرارًا.

ويؤكد علماء الفيزياء الحيوية أن هذه الظروف تسمح بإنتاج بلورات دوائية ذات جودة أعلى وعيوب أقل، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على فعالية الأدوية وسهولة استخدامها.

وتبرز أهمية هذه الميزة خصوصًا في الأدوية البيولوجية المعقدة، إذ يمكن أن تسهم في تقليل لزوجة بعض العلاجات، ما يتيح تحويلها من أدوية تحتاج إلى جلسات تسريب وريدي طويلة داخل المستشفيات إلى حقن بسيطة يمكن إعطاؤها بسهولة أكبر للمرضى.

تجارب ناجحة لعلاجات السرطان

كانت شركة ميرك آند كو من أوائل الشركات التي اختبرت إمكانات التصنيع الدوائي في الفضاء، حيث أجرت منذ عام 2014 تجارب لنمو البلورات على متن محطة الفضاء الدولية، شملت عددًا من الأدوية المهمة، من بينها عقار السرطان الشهير "كيترودا".

وأظهرت النتائج أن الأجسام المضادة التي نمت في بيئة الجاذبية الصغرى كانت أكثر استقرارًا وتجانسًا وأسهل في الذوبان. وأسهمت هذه النتائج في تطوير نسخة قابلة للحقن من العقار، بعدما كان إعطاؤه يتطلب جلسات تسريب وريدي تستغرق ساعات طويلة، وهو ما حاز موافقة الجهات التنظيمية الأمريكية خلال عام 2025.

«فاردا».. مصنع دوائي يدور حول الأرض

في المقابل، تتبنى شركة "فاردا" لصناعات الفضاء نموذجًا مختلفًا يقوم على التصنيع المستمر في المدار، وطورت الشركة أقمارًا صناعية مخصصة لهذا الغرض مزودة بكبسولات قادرة على إعادة المواد المصنعة إلى الأرض.

ويؤكد مسؤولو الشركة أن القيمة المرتفعة للمكونات الدوائية الفعالة تجعل تصنيعها في الفضاء خيارًا اقتصاديًا واعدًا، رغم تكاليف الإطلاق والنقل. كما بدأت شركات دوائية متخصصة، مثل "يونايتد ثيرابيوتكس"، دراسة إمكانية الاستفادة من الجاذبية الصغرى لتحسين علاجات الأمراض الرئوية وغيرها من الأمراض المعقدة.

تحديات تعرقل توسع الصناعة

على الرغم من التفاؤل الكبير، لا تزال "صيدلة الفضاء" تواجه مجموعة من العقبات، فعمليات إعادة المواد المصنعة من المدار إلى الأرض ما زالت مكلفة ومحدودة نسبيًا، كما يثير قرب انتهاء العمر التشغيلي لمحطة الفضاء الدولية تساؤلات حول مستقبل البنية التحتية اللازمة لهذه الصناعة.

ولهذا السبب، بدأت الشركات البحث عن بدائل تجارية جديدة عبر التعاون مع مشاريع المحطات الفضائية الخاصة التي يجري تطويرها حاليًا.

مستقبل صناعة دوائية في المدار

بالتوازي مع التطورات التقنية، بدأت بعض الدول وضع أطر تنظيمية للأدوية المصنعة في الفضاء. كما تخطط شركات ناشئة مثل "فاردا" لزيادة عدد رحلاتها المدارية وتطوير مركبات أكبر وأكثر كفاءة وقابلة لإعادة الاستخدام.

ويرى خبراء القطاع أن استمرار التقدم في هذا المجال قد يؤدي مستقبلًا إلى إنشاء بنية صناعية دائمة في المدار الأرضي المنخفض، تمهد لوجود مئات وربما آلاف العاملين في منشآت إنتاجية فضائية، ما قد يحول الفضاء من ساحة للاستكشاف العلمي إلى مركز صناعي متكامل يخدم قطاعات حيوية على الأرض، وفي مقدمتها قطاع الرعاية الصحية.