المحاماة عبر التاريخ: من امتياز النبلاء إلى رسالة العدالة

إذا كان القضاء هو الحصن الذي تُصان به الحقوق وتُرفع به المظالم ، فإن المحاماة هي الصوت الذي ينطق بهذه الحقوق، والوسيلة التي تُعرض من خلالها أمام ميزان العدالة .

ولئن ارتبط تاريخ الأمم بقيام الحضارات و الدول ، فإن تاريخ العدالة ارتبط بظهور فرسان القانون الذين حملوا على عاتقهم الدفاع عن الحقوق ومناصرة أصحابها ، فكانت المحاماة إحدى أقدم الرسالات الإنسانية وأكثرها اتصالاً بمفهوم العدالة وسيادة القانون .

وتُعد مهنة المحاماة من أعرق المهن التي عرفتها البشرية ، إذ تمتد جذورها إلى آلاف السنين ، حيث نشأت الحاجة إلى أشخاص يمتلكون المعرفة و الخبرة للدفاع عن الحقوق وشرح القوانين أمام جهات القضاء . 
غير أن هذه المهنة ، في مراحلها الأولى ، لم تكن متاحة لعامة الناس ، بل ارتبطت في كثير من الحضارات بطبقة النبلاء والأرستقراطيين و أصحاب المكانة الاجتماعية والعلمية الرفيعة ، الذين كانوا وحدهم تقريباً يمتلكون العلم والقدرة والسلطة الاجتماعية التي تؤهلهم للحديث باسم الآخرين والدفاع عنهم أمام المحاكم .

ففي مصر القديمة ، وتحديداً منذ نحو 2778 قبل الميلاد ، عُرف رجال يتمتعون بالمعرفة القانونية و يتولون مساعدة المتقاضين في عرض مطالبهم أمام السلطات المختصة.

كما شهدت حضارات بلاد الرافدين تطوراً قانونياً بارزاً في عهد الملك البابلي حمورابي (1792-1750 ق.م) ، حيث تضمن قانون حمورابي الصادر حوالي سنة 1750 قبل الميلاد قواعد قانونية متقدمة أسهمت في ظهور الحاجة إلى أشخاص ذوي خبرة في فهم القوانين وتفسيرها وتقديم العون للمتقاضين في منازعاتهم .

وفي اليونان القديمة ، ولا سيما خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد ، برز دور الخطباء الذين اشتهروا بإعداد المرافعات وصياغة الحجج القانونية للمتقاضين ، مستفيدين من مكانتهم العلمية وقدرتهم البلاغية على الإقناع والتأثير .

غير أن التطور الأوضح لفكرة المحاماة ظهر في روما القديمة خلال الفترة الممتدة بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي ، حيث ظهر مصطلح "Advocatus" الذي اشتقت منه كلمة "Advocate" الحديثة ، ويعني الشخص الذي يُستدعى لمؤازرة الخصوم والدفاع عنهم أمام القضاء .

ولم يكن الانتساب إلى هذه الفئة متاحاً لعامة الناس ، بل كان مقتصراً في الغالب على أبناء الأسر الأرستقراطية والنبلاء وأصحاب النفوذ والثقافة الرفيعة ، إذ كانت المحاماة تُعد آنذاك شرفاً اجتماعياً ومظهراً من مظاهر المكانة المرموقة ، أكثر من كونها مهنة يمارسها الجمهور على نطاق واسع .

وكان من يتصدى للترافع يُنظر إليه بوصفه صاحب مكانة أدبية وسياسية ، يجمع بين العلم والبلاغة والنفوذ الاجتماعي .

أما في الحضارة الإسلامية ، فقد تجلت فكرة المحاماة في نظام الوكالة في الخصومة الذي أقرته الشريعة الإسلامية منذ القرن السابع الميلادي ، حيث أجاز الفقه الإسلامي للشخص أن ينيب غيره للمطالبة بحقوقه أو الدفاع عنها أمام القضاء .

ويُستأنس في مشروعية المحاماة في الشريعة الإسلامية بقوله تعالى : ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: 34]، إذ تدل الآية على جواز الاستعانة بمن هو أقدر على البيان وإظهار الحجة والدفاع عن الحق ، وهو ما ينسجم مع رسالة المحاماة في نصرة الحقوق وإبرازها بالطرق المشروعة.

وقد أسهم هذا النظام في ترسيخ فكرة التمثيل القانوني و الدفاع عن الحقوق ، وبرز من خلاله عدد من الفقهاء وأهل العلم الذين اضطلعوا بدور مهم في بيان أوجه الحق ومناصرة أصحاب الحقوق ضمن إطار من العدالة الشرعية والقيم الأخلاقية الرفيعة .

ومع بدايات العصر الحديث ، ولا سيما بعد الثورة الفرنسية سنة 1789م ، بدأت المحاماة تتحول تدريجياً من امتياز اجتماعي تمارسه فئات محدودة إلى مهنة قانونية مستقلة تقوم على التأهيل العلمي والكفاءة المهنية .

وقد شهدت فرنسا صدور أولى التنظيمات الحديثة للمهنة سنة 1790م ، ثم أعيد تنظيمها في عهد نابليون بونابرت بموجب التشريعات الصادرة سنة 1810م، التي أرست العديد من المبادئ المهنية التي لا تزال تشكل أساس تنظيم المحاماة الحديثة حتى يومنا هذا.

وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، انتشرت قوانين المحاماة الحديثة في مختلف الدول العربية ، فأنشئت نقابات المحامين و وضعت شروط القيد والترخيص وأخلاقيات المهنة وضمانات استقلالها ، لينتقل حق ممارسة المحاماة من كونه امتيازاً يرتبط بالنسب أو الطبقة الاجتماعية إلى كونه حقاً مهنياً قائماً على المؤهل العلمي والكفاءة والاستقلال والنزاهة .

ولم تكن المحاماة عبر تاريخها مجرد حرفة للترافع أو وسيلة لكسب الخصومات ، بل كانت على الدوام شريكاً أصيلاً للعدالة، وركناً مكملاً للقضاء في كشف الحقيقة وإظهار وجه الحق .

وإذا كانت هذه المهنة قد ارتبطت في بداياتها بطبقات النبلاء والأرستقراطيين لما تتطلبه من علم وفصاحة ومكانة اجتماعية ، فإن تطور الفكر القانوني والأنظمة الحديثة نقلها من دائرة الامتياز الطبقي إلى رحاب الرسالة المهنية القائمة على الكفاءة والاستقلال والنزاهة .

ومن هنا أصبحت المحاماة في العصر الحديث عنواناً للدفاع عن الحقوق والحريات ، وضمانة أساسية لتحقيق المحاكمة العادلة ، حتى غدت في مختلف الأنظمة القانونية شريكاً للقضاء في إقامة العدل وترسيخ سيادة القانون .

وهكذا تكون المحاماة قد قطعت رحلة تاريخية امتدت لأكثر من أربعة آلاف عام ، انتقلت خلالها من مهمة يمارسها النبلاء والوجهاء وأصحاب الجاه إلى رسالة قانونية سامية تحمل على عاتقها حماية الحقوق وصون الحريات وخدمة العدالة .

*محامي ومستشار قانوني