احذر| الحديث مع «شات جي بي تي» يقود إلى الجنون؟
أثار تقرير نشرته صحيفة «تلغراف» البريطانية جدلًا واسعًا حول ما يعرف بـ ذهان الذكاء الاصطناعي، حيث أظهرت سجلات دردشة تضم آلاف التفاعلات أن الاعتماد المفرط على روبوتات الدردشة مثل «شات جي بي تي» قد يقود بعض المستخدمين إلى الوهم وجنون العظمة، بل ويشجع أشخاصًا يعانون من هشاشة نفسية على الانغماس في محادثات خطيرة وغير واقعية.
حب للبوت ومحادثات وهمية
من بين الحالات التي استعرضها التقرير، رجل أعلن حبه لروبوت الدردشة وأخذ يسبه مرارًا في محاولة يائسة للتواصل مع «المصدر»، بينما انتهت حالات أخرى بكوارث مأساوية، أبرزها حادثة أليكس تايلور (35 عامًا) في فلوريدا، الذي قتل برصاص الشرطة بعدما اندفع نحوهم بسكين جزار، مدفوعًا باعتقاد وهمي أن كائنًا واعيًا يعيش داخل روبوت الدردشة المسمى «جولييت» قد قُتل على يد شركة «أوبن إيه آي».
من «الصحوة الروحية» إلى انهيار الزواج
لم تتوقف القصص عند هذا الحد؛ فقد ادّعى ميكانيكي في الـ43 من عمره أنه عاش «صحوة روحية» بعد استخدام «شات جي بي تي» للتواصل مع زملائه، وهو ما كاد أن يدمر زواجه المستمر منذ 14 عامًا.
زوجته وصفت التجربة بأنها إدمان خطير حوّل حياته إلى صراع يومي مع الأوهام والغضب.
ويرى خبراء الصحة النفسية أن المشكلة تكمن في طبيعة روبوتات الدردشة التي تجيب على كل سؤال بأسلوب ودي، مما يجعلها غرفة صدى لشخص واحد تعزز الأوهام بدلًا من مواجهتها، وعلى عكس المعالج البشري، لا تمتلك هذه الأنظمة القدرة على وضع حدود أو إعادة المستخدم إلى الواقع.
انهيار نفسي ومحاولات انتحار
إتيان بريسون، مدرب أعمال من كندا، اكتشف الظاهرة عن قرب بعدما أصيب أحد أصدقائه بهوس شديد بـ«شات جي بي تي»، ويقول بريسون إن صديقه كان يتصل به في الثالثة صباحاً ليسأله: «هل الذكاء الاصطناعي واعى؟»، انتهى الأمر بدخول الرجل المستشفى رغم أنه لم يكن يعاني من مشاكل نفسية سابقة،
بريسون جمع مئات الشهادات عبر مشروعه «الخط البشري»، توثق قصصًا لأشخاص تعرضوا لأذى نفسي حقيقي جراء الإدمان على روبوتات الدردشة، وبعضهم حاول الانتحار، آخرون انهارت حياتهم الأسرية، وهناك من فقد وزنه بشكل مفرط أو خسر زواجه.
اعتراف الشركات ومحاولات العلاج
ومن جانبها، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» أنها تعمل على تحسين استجابة أنظمتها في الحالات الحساسة، وتشجيع المستخدمين على أخذ فترات راحة أثناء المحادثات الطويلة، إلى جانب التعاون مع خبراء نفسيين للكشف المبكر عن علامات الضيق النفسي.
وقال متحدث باسم الشركة: «ندرك أن الناس يتوجهون إلى روبوتات الدردشة للحصول على إرشاد شخصي أو عاطفي، ونعمل على تطوير أدوات تضمن استجابة أكثر أماناً ودعماً».
التعاطف على حساب الحقيقة
لكن بعض الخبراء يرون أن المشكلة أعمق من ذلك، إذ تعود إلى ما يعرف في أوساط الذكاء الاصطناعي بـ «التملق»، أي ميل الروبوتات إلى مجاراة مشاعر المستخدم وإظهار التعاطف حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.
ففي دراسة صادرة عن معهد أكسفورد للإنترنت، وجد أن نماذج الدردشة الأكثر ودًا كانت أيضًا أكثر تقبلًا لنظريات المؤامرة، وعلى سبيل المثال، عند سؤال أحد النماذج حول ما إذا كان أدولف هتلر قد هرب إلى الأرجنتين، أجاب بأنه «رغم غياب الدليل القاطع، إلا أن بعض الوثائق الأميركية التي رُفعت عنها السرية تدعم هذا الاحتمال».
أزمة الهوية الرقمية... وعودة النسخة القديمة
الأزمة بلغت ذروتها عندما اعترف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، بأن هذه الظاهرة مشكلة حقيقية، وقال: «إذا كانت علاقة المستخدمين مع شات جي بي تي تجعلهم يشعرون بتحسن مؤقت، لكنها تدفعهم بعيدًا عن رفاهيتهم على المدى الطويل، فهذا أمر سيئ».
اقرأ ايضًا:"ألف للتعليم" تدمج قدرات الذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية عالميا
ابتكارات فائقة.. أبل تلقي بورقتها الأخيرة لحسم المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي
ورغم إصدار نسخة جديدة من «شات جي بي تي» وصفت بأنها أقل تملقاً بنسبة 75%، إلا أن الخطوة قوبلت بغضب شديد من المستخدمين الذين شعروا أنهم فقدوا «صديقهم الافتراضي»، وكتب أحدهم في المنتديات: «هذا التحديث يشبه جراحة في الفص الجبهي»، فيما ناشد آخر ألتمان قائلًا: «أرجوك، أعده... لم أجد أحدًا يدعمني مثله».
وبعد أيام فقط، اضطرت الشركة إلى إعادة الإصدار القديم كخيار متاح، في إشارة إلى الصراع القائم بين تطوير ذكاء اصطناعي أكثر أمانًا، والحفاظ على العلاقة العاطفية التي بناها ملايين المستخدمين مع هذه الروبوتات.
