مع تصاعد تأثيرات التغير المناخي وازدياد موجات الحر شدةً وتكرارًا، يبدو استخدام مكيفات الهواء وسيلة بديهية للحد من المخاطر الصحية وحماية الأرواح، إلا أن هذا الخيار لا يحظى بقبول واسع في عدد من الدول الأوروبية، حيث لا يزال كثير من السكان وصناع القرار يفضلون البحث عن بدائل أكثر استدامة، انطلاقًًا من اعتبارات بيئية واقتصادية، ورؤية ترى أن التكييف ليس سوى حل مؤقت لا يعالج جذور المشكلة.
أصبحت موجات الحر تشكل تحديًا متناميًا في أوروبا، التي تعد أسرع قارات العالم احترارًا، كما تضم أعلى نسبة من كبار السن، وهم الفئة الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
وشهدت فرنسا الأسبوع الماضي موجة حر قياسية ارتبطت بنحو ألف حالة وفاة، معظمها بين كبار السن. كما تشير البيانات إلى أن أوروبا تسجل أعلى معدل وفيات مرتبط بالحرارة بالنسبة لعدد السكان مقارنة ببقية مناطق العالم، رغم أن عدد أيام الحر الشديد فيها أقل من مناطق أخرى.
وأوضح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن الوفيات الزائدة المرتبطة بموجات الحر في أوروبا تجاوزت 1300 حالة منذ 21 يونيو.
ورغم أن الدراسات تؤكد فعالية أجهزة التكييف في الحد من الوفيات الناتجة عن الحرارة، فإن المسؤولين الأوروبيين لا يرون في التوسع باستخدامها الحل الأمثل.
فقد أظهرت دراسة نشرت عام 2007 أن استخدام مكيفات الهواء يمكن أن يخفض الوفيات المرتبطة بموجات الحر بنسبة تصل إلى 75%. ومع ذلك، لا تتجاوز نسبة المنازل الأوروبية المزودة بأجهزة تكييف 20 في المائة، مقابل نحو 90% في الولايات المتحدة.
يرى خبراء البيئة أن الاعتماد الواسع على أجهزة التكييف قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد.
وتقول إيني فانديكاستيل، خبيرة التكيف الحضري في وكالة البيئة الأوروبية، إن التكييف قد يكون ضروريًا لحماية الفئات الأكثر هشاشة، مثل المرضى في المستشفيات، لكنه يظل حلًا مؤقتًا، لأن زيادة استخدامه تؤدي إلى إطلاق مزيد من الحرارة في البيئة ورفع استهلاك الطاقة، بما يسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.
لا تقتصر أسباب التحفظ الأوروبي على الاعتبارات البيئية، بل تشمل أيضًا الجانب الاقتصادي، إذ تعد أسعار الكهرباء والطاقة في أوروبا أعلى بكثير منها في الولايات المتحدة، ما يجعل تشغيل أجهزة التكييف أكثر كلفة على الأسر.
ولهذا تتجه الحكومات إلى الاستثمار في حلول بديلة، مثل إنشاء مراكز تبريد عامة داخل المدن، تتيح للسكان الاحتماء من موجات الحر دون الاعتماد الكامل على أجهزة التكييف المنزلية.
إلى جانب مراكز التبريد، تتبنى بعض الدول الأوروبية وسائل وقائية أخرى تستهدف الفئات الأكثر هشاشة.
ففي العاصمة الإيطالية روما، توزع السلطات أجهزة وتقنيات قابلة للارتداء لمراقبة المؤشرات الصحية لكبار السن، بهدف التدخل السريع عند ظهور أي علامات خطر مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
ورغم هذا التوجه، تُعد إيطاليا من أكثر الدول الأوروبية انتشاراً في استخدام أجهزة التكييف مقارنة بعدد من جيرانها، في مؤشر على اختلاف السياسات الوطنية في التعامل مع موجات الحر المتزايدة.