تعد إشبيلية، عاصمة إقليم الأندلس في جنوب إسبانيا، واحدة من أبرز المدن الأوروبية التي يمكن استكشافها سيرًا على الأقدام، بفضل شوارعها التاريخية الضيقة وساحاتها المفعمة بالحياة ومعالمها المتقاربة.
وتمزج المدينة بين إرث حضارات متعاقبة، من الرومان إلى المسلمين ثم الإسبان، الذين جعلوا منها في القرن السادس عشر الميناء الرئيسي للبلاد، لتتحول إلى مركز تجاري وثقافي مزدهر.
وتتميز المدينة بمناخها المعتدل وأجوائها التي تفوح بعبير آلاف أشجار البرتقال، كما تقدم لزوارها تجربة إسبانية أصيلة تجمع بين عروض الفلامنكو، والمطبخ الأندلسي، وثقافة الفروسية، ومعالم تاريخية مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، مثل الكاتدرائية والقصر الملكي وأرشيف جزر الهند.
يبدأ التعرف إلى المطبخ الإشبيلي بزيارة مطعم «لا كاسا ديل تيغري» القريب من «مظلات إشبيلية» في ساحة «بلازا دي لا إنكارناسيون».
ويتميز المطعم بديكور فني يجمع بين اللوحات الزيتية والزخارف الشعبية، بينما يقدم قائمة متنوعة من أطباق "التاباس" التي تمزج بين النكهات الإسبانية التقليدية والابتكار العصري.
وتشمل الأطباق البارزة "تاكو" اللحم المطهو ببطء، وطبق البيض مع الروبيان، إلى جانب حلويات تعتمد على موس اليقطين ورقائق الزنجبيل المقرمشة. وتبلغ تكلفة الغداء لشخصين نحو 80 يورو.
لا تزال أزقة وسط إشبيلية تحتفظ بروح الأسواق الأندلسية القديمة، حيث تنتشر متاجر الحرف التقليدية إلى جانب العلامات التجارية العالمية.
ويبرز متجر «تينديريتي» بمنتجاته من السيراميك المحلي الملون، فيما يشتهر متجر «سومبريروس أنطونيو غارسيا»، الذي يعود تأسيسه إلى عام 1847، بصناعة القبعات الأندلسية التقليدية إلى جانب موديلات عصرية قابلة للطي.
ويمكن اختتام جولة التسوق بتذوق المثلجات بنكهات الرمان أو الفانيليا والقرفة في متجر «غلوريا آند روزيتاس».
يمنح مركز «كاسا إنكويتا» زواره فرصة لاكتشاف الفلامنكو في أجواء حميمة، من خلال عروض تجمع بين الموسيقى والغناء والرقص الإيقاعي الذي تشتهر به الأندلس.
وبعد انتهاء العرض، يمكن تذوق مجموعة من المقبلات المحلية، مثل الكالاماري وفطائر الروبيان المقرمشة، التي تعكس نكهات المطبخ الأندلسي التقليدي.
يمكن بدء اليوم التالي بإفطار إسباني تقليدي، قبل التوجه إلى متحف الفنون الجميلة، الذي يُعد من أهم المتاحف الإسبانية بعد متحف برادو في مدريد.
ويضم المتحف أعمالًا لعدد من أبرز فناني العصر الذهبي الإسباني، مثل فيلاسكيز، وزورباران، وموريلو، إلى جانب مجموعات من اللوحات والمنحوتات الدينية التي تعكس ازدهار الفن في إشبيلية خلال القرون الماضية.
على الضفة المقابلة لنهر الوادي الكبير يقع حي تريانا، الذي يحتفظ بطابعه الشعبي وتاريخه العريق.
ويصل الزائر إليه عبر جسر إيزابيل الثانية، ليستكشف متاجر الخزف التقليدي، ومحال المنتجات المحلية، إضافة إلى كنيسة سانتا آنا التاريخية التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر، وتضم أعمالًا فنية دينية مميزة، فضلًا عن سرداب أثري يستحق الزيارة.
بعد جولة تريانا، يشكل مطعم «ماريا تريفولكا» محطة مثالية لعشاق المأكولات البحرية، إذ يقع داخل مبنى تاريخي كان محطة للسفن البخارية في عشرينات القرن الماضي.
ويشتهر المطعم بتقديم الروبيان الأبيض القادم من ويلفا، وتونة الزعانف الزرقاء المصطادة بالقرب من مضيق جبل طارق، بينما توفر شرفته العلوية إطلالات بانورامية على النهر وأحياء إشبيلية التاريخية. وتبلغ تكلفة الغداء لشخصين نحو 140 يورو.
في منطقة ألاميدا، يحتفظ شارع «كايي فيريا» بحيويته من خلال مقاهيه وأسواقه ومتاجر الملابس الكلاسيكية.
وتضم المنطقة متاجر متخصصة في الأزياء القديمة المختارة بعناية، إلى جانب محال تعرض أزياء الفلامنكو التقليدية وقطعاً نادرة لمحبي الطراز الكلاسيكي.
يختتم اليوم بزيارة مطعم «زوكو»، الذي استلهم تصميمه من الأسواق الشرقية، حيث تنقسم مساحات المطعم إلى محطات مختلفة تعكس تنوع المطبخ.
وتجمع قائمة الطعام بين أطباق لبنانية بلمسات عصرية، مثل التبولة والحمص واللبنة والمنقوشة، إلى جانب أطباق إسبانية تعتمد على المكونات المحلية، مثل الأخطبوط، والكراث بصلصة «روميسكو»، والباذنجان المشوي، وكرات اللحم مع نخاع العظم.
لا تقتصر جاذبية إشبيلية على معالمها التاريخية، بل تمتد إلى أسلوب الحياة الذي يدعو إلى التمهل والاستمتاع بالتفاصيل. فمن ساحاتها العتيقة وأسواقها التقليدية إلى مطاعمها وعروضها الفنية، تقدم المدينة تجربة متكاملة تجعل التجول سيرًا على الأقدام أفضل وسيلة لاكتشاف روح الأندلس والاستمتاع بإحدى أكثر المدن الأوروبية ثراءً بالتاريخ والثقافة.