<

مهرجان شنغهاي.. بوابة آسيا إلى السينما العالمية

لم يعد مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي (SIFF) مجرد منصة لعرض أحدث الإنتاجات السينمائية أو التنافس على الجوائز، بل تحول إلى أحد أبرز الأدوات التي تستخدمها الصين لتعزيز حضورها الثقافي على الساحة الدولية. 

فمع كل دورة جديدة، يرسخ المهرجان مكانته بين أبرز الفعاليات السينمائية العالمية، بالتوازي مع سعي بكين إلى إعادة صياغة دورها داخل صناعة السينما، ليس كسوق استهلاكية ضخمة فحسب، بل بوصفها لاعبًا مؤثرًا في تشكيل مستقبل هذه الصناعة.

وتجسد الدورة الثامنة والعشرون هذا التوجه بوضوح، حيث تتداخل الأبعاد الفنية مع الاعتبارات الثقافية والاقتصادية والدبلوماسية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز صورة الصين كمركز عالمي للإبداع والإنتاج الثقافي.

السينما بوابة للقوة الناعمة

وضعت الصين منذ بداية الألفية الثقافة ضمن أدواتها الأساسية لتعزيز نفوذها العالمي، مستندة إلى مفهوم "القوة الناعمة" القائم على التأثير من خلال الفنون والثقافة والصورة الذهنية، بدلًا من أدوات القوة التقليدية.

وفي هذا السياق، يؤدي مهرجان شنغهاي دورًا محوريًا، إذ يوفر منصة تجمع صناع السينما من مختلف أنحاء العالم، ويمنح الصين فرصة لإبراز قدراتها التنظيمية والثقافية، إلى جانب تقديم مدينة شنغهاي باعتبارها مركزًا سينمائيًا آسيويًا قادرًا على منافسة مهرجانات عريقة مثل كان وفينيسيا وبرلين وتورونتو.

 سوق عالمية للسينما

لا تقتصر أهمية المهرجان على العروض السينمائية والسجادة الحمراء، بل تمتد إلى ما يجري خلف الكواليس، حيث تتحول أروقته إلى مساحة لعقد اتفاقيات الإنتاج المشترك، وبيع حقوق التوزيع، وبناء شراكات بين شركات الإنتاج العالمية والمؤسسات السينمائية الصينية.

وبذلك أصبح المهرجان منصة اقتصادية متكاملة تعكس التحولات التي تشهدها صناعة السينما، والتي باتت ترتبط بالاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والصناعات الإبداعية، إلى جانب بعدها الفني.

بين الانفتاح الثقافي والاعتبارات السياسية

رغم الطابع الدولي للمهرجان، فإنه يثير تساؤلات متكررة بشأن العلاقة بين الفن والسياسة في المشهد الثقافي الصيني.

فبينما تسعى الصين إلى تقديم نفسها باعتبارها داعمة للتنوع الثقافي والحوار الحضاري، تظل البيئة التنظيمية المحلية تفرض ضوابط واضحة على المضامين الإعلامية والثقافية. وينعكس ذلك في طبيعة الأفلام المشاركة، حيث تحظى الأعمال التي تتناول القضايا الإنسانية والاجتماعية والبيئية والفلسفية بحضور بارز، مقابل حضور محدود للأفلام التي تتطرق إلى الملفات السياسية الحساسة.

ويرى عدد من الباحثين أن المهرجان لا يروج للأفلام فقط، بل يقدم أيضًا صورة تعكس الكيفية التي ترغب الصين في الظهور بها أمام العالم، باعتبارها دولة تجمع بين الحداثة والاستقرار والانضباط.

إعادة رسم خريطة السينما العالمية

يكشف مهرجان شنغهاي عن تحول متزايد في موازين القوة داخل الصناعة السينمائية العالمية، فبعد سنوات طويلة احتكرت خلالها المهرجانات الأوروبية والأميركية دور منح الاعتراف الفني للأفلام، بدأت آسيا تفرض حضورها كمركز مؤثر للإنتاج والتقييم والتوزيع.

ويتجلى ذلك في اتساع مشاركة الأفلام القادمة من آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، التي تجد في شنغهاي منصة تمنح مساحة أكبر للتجارب الثقافية المتنوعة، بعيداً عن الهيمنة التقليدية للمهرجانات الغربية.

ولا يقتصر هذا التحول على تنوع الدول المشاركة، بل يعكس أيضًا إعادة توزيع النفوذ الثقافي والرمزي داخل صناعة السينما، بحيث لم تعد العواصم الأوروبية وحدها صاحبة الكلمة في تحديد القيمة الفنية أو المستقبل التجاري للأعمال السينمائية.

السينما كأداة لإعادة تشكيل النفوذ العالمي

يتجاوز مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي كونه فعالية فنية سنوية، ليصبح جزءًا من مشروع ثقافي أوسع تسعى من خلاله الصين إلى تعزيز مكانتها في النظام الثقافي العالمي.