<

كهوف فرنسا.. ملاذ طبيعي في مواجهة الحر

مع اشتداد موجات الحر وتسارع وتيرة التغير المناخي، تعود المساكن الكهفية إلى الواجهة بوصفها نموذجًا عمرانيًا قادرًا على التكيف مع الظروف المناخية القاسية. فبفضل خصائصها الطبيعية في العزل الحراري، تقدم هذه المساكن حلًا مستدامًا يقلل الاعتماد على وسائل التبريد الحديثة. 

ورغم حاجتها إلى التطوير لتلبية متطلبات الحياة المعاصرة، فإنها تبرز كيف يمكن للعمارة التقليدية أن تلهم حلولًا عملية لمواجهة تحديات المستقبل.

التكيف مع تغير المناخ

مع تزايد الحاجة إلى حلول سكنية أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ، تبدو المساكن الكهفية مثالاً على إمكانية توظيف التراث العمراني لمواجهة تحديات الحاضر. فبينما تتصاعد درجات الحرارة عاماً بعد آخر، قد تتحول هذه البيوت المنحوتة في الصخور من إرث تاريخي إلى خيار عملي ومستدام يلهم تصاميم المساكن في المستقبل.

ملاذ بارد في قلب الصيف

بينما تكافح مناطق واسعة من فرنسا موجة حر جديدة، يقضي جان لوك إكليرسي ديتيربيني (57 عامًا) يومه داخل غرفة معيشة منحوتة في مقلع حجارة قديم، حيث تنخفض درجات الحرارة بصورة ملحوظة مقارنة بالخارج.

ويصف تجربته قائلًا: إنه يشعر وكأنه يدخل إلى "ثلاجة" كلما انتقل إلى داخل الكهف، موضحاً أنه انتقل إلى قرية ترو في منطقة وادي اللوار خلال جائحة «كوفيد-19»، بعدما ضاق بالحياة في شقته الباريسية التي تفتقر إلى وسائل التبريد.

عودة إلى مساكن التاريخ

تضم قرية ترو، التي يبلغ عدد سكانها نحو 300 نسمة، مجموعة من المساكن والغرف المحفورة داخل أنفاق أُنشئت قديمًا لاستخراج حجر التوفو الجيري، الذي استخدم في تشييد القلاع والمنازل التاريخية بالمنطقة.

وبحسب البلدية، يقيم عدد من السكان في منازل صخرية كاملة، بينما يمتلك آخرون غرفًا كهفية متصلة بمنازلهم، في حين لا تزال مساكن أخرى مهجورة يمكن إعادة تأهيلها لتصبح صالحة للسكن.

عازل طبيعي طوال العام

يرى جان لوك أن حجر التوفو يشكل أحد أفضل العوازل الطبيعية، إذ يحافظ على برودة المكان خلال الصيف، وفي الوقت نفسه يحتفظ بالدفء في فصل الشتاء، دون الحاجة إلى طبقات عزل صناعية.

ويؤكد أن الجدران الحجرية وحدها كافية لتوفير بيئة داخلية مريحة، وهو ما يجعل هذه المساكن خيارًا عمليًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

درجات حرارة مستقرة

وفي القرية نفسها، انتقل المتقاعد دومينيك أوبيرون وزوجته جان بول إلى منزل كهفي عام 2022 بعد مغادرة منزلهما في النورماندي.

ويشير أوبيرون إلى أن الفارق بين حرارة الداخل والخارج كبير، إذ تبلغ الحرارة داخل المنزل نحو 19 درجة مئوية، حتى عندما تتجاوز خارجًا 30 درجة، مؤكدًا أن هذه البيئة تمنح شعورًا بالحماية من الحر وتنسجم مع مفهوم المساكن الصديقة للبيئة.

تحديات السكن تحت الأرض

ورغم مزاياها، لا تخلو هذه المساكن من تحديات، أبرزها محدودية دخول أشعة الشمس، خصوصًا إذا لم تكن الواجهة موجهة نحو الجنوب، إضافة إلى الحاجة إلى أعمال تأهيل لمعالجة الرطوبة وتركيب أنظمة للتهوية وتصريف المياه، فضلًا عن تلييس الجدران بالجص لضمان بيئة سكنية مناسبة.

حل مستقبلي لمواجهة التغير المناخي

ويشير رئيس بلدية ترو، باتريك إكليرسي ديتيربيني، إلى أن القرية تضم ما بين 6 و8 كيلومترات من الأنفاق، ما يتيح إمكانية توسيع هذا النوع من المساكن مستقبلًا.

ويرى أن إعادة استثمار هذه الكهوف قد تمثل نموذجًا واعدًا لمساكن المستقبل، إذ تجمع بين الاستدامة وكفاءة استهلاك الطاقة، وتوفر وسيلة طبيعية للتكيف مع موجات الحر المتزايدة الناتجة عن التغير المناخي.