في وقت يثير فيه الذكاء الاصطناعي جدلًا واسعًا حول مستقبله في الصناعات الإبداعية، تتجه بعض التجارب إلى إثبات أنه يمكن أن يكون أداةً تعزز قدرات الفنانين بدلاً من أن تحل محلهم، ويأتي فيلم الرسوم المتحركة «ألعاب المملكة» (Kingdom Games) بوصفه إحدى هذه التجارب، إذ يعتمد على دمج التقنيات الحديثة مع الرؤية الفنية الإنسانية لإنتاج عمل سينمائي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والإبداع، ويفتح نقاشًا جديدًا حول مستقبل صناعة أفلام الرسوم المتحركة.

وأكد المخرج البريطاني آلان سميث أن فيلم الرسوم المتحركة «ألعاب المملكة» (Kingdom Games) يقدم نموذجًا مختلفًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة السينما، يقوم على توظيف التكنولوجيا لدعم الإبداع البشري وتعزيز قدراته، لا لاستبدال الفنانين أو إقصائهم من العملية الإبداعية.
وأوضح سميث أن المشروع انطلق من إيمان بإمكانات الذكاء الاصطناعي في توسيع آفاق السرد البصري، وإتاحة الفرصة أمام الاستوديوهات المستقلة لإنتاج أعمال طموحة كانت تتطلب في السابق ميزانيات ضخمة وفترات إنتاج طويلة.
أشار سميث إلى أن علاقته بالفيلم بدأت بعد تواصل المنتج الهندي معه لبحث إمكانية إنتاج فيلم رسوم متحركة طويل يستفيد من التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي. واستمرت المناقشات بينهما عدة أشهر، تناولت مستقبل الصناعة والتحديات التي تواجه شركات الإنتاج المستقلة، قبل أن تتبلور الفكرة في صورة سيناريو متكامل جاهز للتنفيذ.
تدور أحداث الفيلم حول الأرنب الشاب «ماكس» الذي يعيش في قرية زراعية صغيرة تدعى «كيوا»، ويحلم بمغادرة عالمه المحدود بحثاً عن مستقبل أفضل. ويقضي أيامه برفقة صديقه «رامبو»، وهو حيوان كابيبارا كثير الوقوع في المشكلات، قبل أن تدفعه سلسلة من الأحداث إلى إعادة تقييم حياته وتحمل مسؤولياته.
وينطلق ماكس لاحقًا إلى عاصمة المملكة للمشاركة في «ألعاب المملكة»، أكبر بطولة رياضية في البلاد، حيث يلتقي بالأميرة أوليفيا التي تواجه بدورها تحديات تتعلق بالهوية والانتماء، كما يجد نفسه في مواجهة البطل الأسطوري «هورا»، النمر الأسود المسيطر على البطولة منذ سنوات. ومع تطور الأحداث، تتحول رحلته من البحث عن المجد إلى اكتشاف المعنى الحقيقي للبطولة، التي تقوم على الشجاعة والتضحية وإلهام الآخرين.

أوضح سميث أن موافقته على إخراج الفيلم جاءت بعد حصوله على حرية كاملة في تطوير العمل وفق رؤيته الفنية، مؤكدًا أن فريق الإنتاج اتفق منذ البداية على ألا تتحكم التكنولوجيا في القرارات الإبداعية.
وقال إن جميع الشخصيات صُممت يدويًا، كما أُنجزت اللوحات القصصية والمراجع البصرية بالطرق التقليدية، حفاظًا على الهوية الفنية للعمل، بحيث يبقى الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تنفيذية تساعد الفنانين ولا تقود العملية الإبداعية.
رفض المخرج التصور السائد بأن إنتاج الأعمال الفنية بالذكاء الاصطناعي يقتصر على كتابة بضعة أوامر نصية للحصول على نتائج فورية، مؤكدًا أن صناعة فيلم طويل تحتاج إلى مئات القرارات المتعلقة بالإخراج والإيقاع الدرامي وتصميم الشخصيات والحركة والتكوين البصري، وهي عناصر لا يمكن أن تنتجها الخوارزميات وحدها.
كشف سميث عن تطوير نظام إنتاج متكامل بالتعاون مع الشركة المنتجة، يجمع بين الإبداع البشري وأدوات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تنسيق العمل بين فرق متعددة من الفنانين والمصممين مع الحفاظ على وحدة الأسلوب البصري طوال الفيلم.
وأوضح أن مراحل الإنتاج بدأت بتصميم الشخصيات يدويًا، ثم إعداد اللوحات القصصية التي رسمها بنفسه، قبل توزيع تنفيذ المشاهد على فرق متخصصة تعمل وفق رؤية إخراجية موحدة.
أشار إلى أن النظام الجديد أتاح له متابعة تقدم العمل لحظة بلحظة، ومراجعة اللقطات فور إنجازها وإرسال ملاحظاته مباشرة إلى الفرق المختلفة، وهو ما وفر مرونة كبيرة مقارنة بطرق الإنتاج التقليدية التي تتطلب الانتظار لساعات أو أيام لمراجعة النتائج.
وأضاف أن هذه الآلية أسهمت في إنجاز الفيلم خلال نحو ثلاثة أشهر ونصف الشهر فقط، وهي مدة وصفها بالاستثنائية بالنسبة إلى أفلام الرسوم المتحركة الطويلة.
رأى سميث أن مشاركة الفيلم في مهرجان «أنسي» وسوق «ميفا» لا تقتصر على الترويج للعمل، بل تهدف أيضًا إلى فتح نقاش أوسع داخل مجتمع الرسوم المتحركة بشأن الاستخدام المسؤول والمتوازن للذكاء الاصطناعي.
وأكد أن «ألعاب المملكة» يقدم مثالًا عمليًا على إمكانية تحقيق نتائج عالية الجودة عندما تعمل التكنولوجيا جنبًا إلى جنب مع المبدعين، مشيرًا إلى أن الصورة النمطية التي تربط الذكاء الاصطناعي بأعمال ضعيفة أو تفتقر إلى الهوية الفنية ليست دقيقة، إذ يعتمد الأمر في النهاية على الرؤية الإبداعية التي تقود استخدام هذه الأدوات.