مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، بات هذا الحلم أقرب إلى الواقع، بعدما نجح فريق بحثي في كشف جزء من لغة أحد أنواع الطيور، في إنجاز قد يفتح الباب أمام عصر جديد من التواصل بين الإنسان والحيوان.
في خطوة علمية قد تغيّر مستقبل دراسة تواصل الكائنات الحية، نجحت الدكتورة جولي إيلي، الباحثة في جامعة كاليفورنيا بيركلي، في فكّ جزء من لغة طائر الحسون الوحشي المخطط (Zebra Finch)، وهو إنجاز منحها جائزة «كولر-دوليتل» لعام 2026 البالغة قيمتها 100 ألف دولار، ويأمل العلماء أن تمهد هذه النتائج الطريق مستقبلًا لإقامة تواصل أكثر فهمًا بين الإنسان والحيوانات.
بعد أكثر من عشر سنوات من البحث، تمكنت إيلي من تحديد 11 نداءً أساسيًا يستخدمها طائر الحسون الوحشي، وكشفت أن هذه النداءات ليست مجرد أصوات عشوائية، بل تحمل معاني واضحة تتعلق بالإعلان عن هوية الطائر، ووصف ما يقوم به، والتعرف إلى أفراد مجموعته من خلال «بصمة صوتية» تميز كل فرد.
وأظهرت الدراسة أن الطيور كانت تخلط بين النداءات المتقاربة في المعنى أكثر من تلك المتشابهة في النبرة، ما يشير إلى أنها لا تميز الأصوات فحسب، بل تدرك أيضًا الدلالات التي تحملها.
اعتمدت الباحثة على تسجيل آلاف النداءات التي جمعت على مدار أكثر من عقد، ثم استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل الطريقة التي تشفَّر بها المعلومات داخل هذه الأصوات.
وللتحقق من النتائج، أجرت سلسلة من التجارب السلوكية، كان أبرزها تدريب الطيور على الضغط على زر لتشغيل نداءات مختلفة، ارتبط بعضها بالحصول على مكافأة غذائية، بينما لم يرتبط بعضها الآخر بأي مكافأة.
ومع مرور الوقت، تعلمت الطيور تجاوز النداءات غير المفيدة بسرعة، كما أخطأت غالبًا في التمييز بين النداءات المتشابهة في المعنى، لا في النغمة، ما اعتبره الباحثون دليلاً على امتلاكها تمثيلًا ذهنيًا لمعاني أصواتها.
وصفت إيلي حصولها على الجائزة بأنه «شرف كبير»، مؤكدة أن هذا الإنجاز قد يقرب العلماء من تحقيق حلم بناء لغة مشتركة بين البشر والحيوانات.
واعتبر البروفسور يوسي يوفيل، رئيس لجنة التحكيم، أن الدراسة تمثل «لحظة فارقة» في أبحاث تواصل الحيوانات، فيما رأى البروفسور جوناثان بيرش أنها تقدم نموذجًا علميًا متقدمًا لفهم المعاني الكامنة وراء أصوات الحيوانات، بدلًا من الاكتفاء بتصنيفها.
أُطلقت جائزة «كولر-دوليتل» عام 2024 لتشجيع الأبحاث التي تسعى إلى تعزيز التواصل بين الإنسان والحيوان، كما خصصت المؤسسة المنظمة جائزة كبرى تبلغ قيمتها 10 ملايين دولار لأول فريق علمي ينجح في تحقيق تواصل متبادل وفعال بين الجانبين.
ويرى الباحثون أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يمنح العلماء أدوات غير مسبوقة لفهم لغات الحيوانات، إلا أن الوصول إلى حوار حقيقي معها لا يزال يتطلب سنوات إضافية من البحث والتطوير.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا قبل الوصول إلى حوار حقيقي بين الإنسان والحيوانات، فإن هذا الإنجاز يمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق لعالم الكائنات الحية وطرق تواصلها. ومع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يزداد تفاؤل العلماء بإمكانية كشف المزيد من أسرار لغات الحيوانات، بما قد يسهم في تعزيز جهود حمايتها ودراسة سلوكها، ويفتح آفاقًا علمية غير مسبوقة في العلاقة بين الإنسان والطبيعة.