<

موجة حر غير مسبوقة تجتاح أوروبا

تواصل موجات الحر الاستثنائية فرض واقع مناخي جديد على أوروبا، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية تطول مئات الملايين من السكان في مختلف أنحاء القارة، وبينما تتسع رقعة المناطق المتضررة من غرب أوروبا إلى البلقان.

ويحذر خبراء المناخ من أن هذه الظواهر لم تعد أحداثاً استثنائية، بل أصبحت أكثر تكرارًا وشدة بفعل التغير المناخي، وسط مخاوف من تداعياتها على الصحة العامة والاقتصاد والبيئة.

ملايين السكان تحت درجات حرارة قياسية

تشهد أوروبا موجة حر استثنائية يتوقع أن تؤثر في مئات الملايين من السكان، مع تسجيل درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية في عدد من الدول، وسط تحذيرات من آثارها الصحية والبيئية، وتأكيدات علمية متزايدة بأن التغير المناخي يقف وراء تصاعد حدة هذه الظواهر.

150 مليون أوروبي تحت حرارة تتجاوز 35 درجة

تشير التوقعات إلى أن أكثر من 150 مليون شخص في أوروبا يتعرضون لدرجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، من بينهم أكثر من 50 مليون نسمة في ألمانيا ونحو 30 مليونًا في فرنسا.

كما تظهر التحليلات أن درجات الحرارة تتخطى 30 درجة مئوية لدى أكثر من 420 مليون شخص في القارة الأوروبية، باستثناء تركيا، أي ما يعادل نحو 70 في المائة من سكان أوروبا، وفق بيانات استندت إلى توقعات خدمة الأرصاد الجوية الألمانية ومركز الأبحاث المشتركة، بالتعاون مع تقديرات منظمة «كليماداشبورد» النمساوية.

وتتجاوز هذه الأرقام تقديرات المعهد الألماني للأرصاد الجوية، الذي توقع سابقًا أن تطول درجات الحرارة فوق 35 درجة نحو 101 مليون شخص.

ألمانيا تتصدر قائمة الدول الأكثر تضررًا 

لم تعد فرنسا الدولة الأكثر تأثرًا بموجة الحر، إذ انتقلت بؤرة التأثير إلى ألمانيا، حيث يتوقع أن تشهد البلاد درجات حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية، تؤثر في نحو 82 مليون نسمة، بينهم 52 مليونًا يتعرضون لحرارة تتجاوز 35 درجة.

كما تشير التوقعات إلى أن درجات الحرارة المرتفعة ستؤثر في نحو 34 مليون شخص بفرنسا، و17 مليونًا في إيطاليا، و15 مليونًا في هولندا، التي أصدرت للمرة الأولى تحذيرًا رسميًا من موجة حر شديدة يشمل معظم أنحاء البلاد، ومن المنتظر أيضًا أن تمتد التأثيرات القوية إلى بلجيكا ولوكسمبورغ والمجر.

موجة الحر تمتد إلى منطقة البلقان

بعد اجتياح أوروبا الغربية، تتجه موجة الحر نحو دول البلقان، حيث صدرت تحذيرات حمراء على امتداد الساحل الأدرياتيكي، وتتوقع هيئات الأرصاد الجوية أن تصل درجات الحرارة في أجزاء من صربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة والهرسك ومونتينيغرو إلى 39 درجة مئوية اعتبارًا من الأحد وحتى الاثنين على الأقل.

وفي العاصمة الصربية بلغراد، ينتظر أن ترتفع الحرارة إلى 39 درجة، متجاوزة الرقم القياسي المسجل في يونيو 2021 والبالغ 38.7 درجة مئوية.

تأثير مباشر على الحياة اليومية

فرضت موجة الحر واقعًا صعبًا على سكان المناطق المتضررة، خاصة في صربيا، حيث يعمل أكثر من خمس القوى العاملة في الهواء الطلق، ما يزيد من مخاطر التعرض للإجهاد الحراري.

ولجأ كثير من السكان إلى الحدائق والنوافير والأماكن المظللة هربًا من درجات الحرارة المرتفعة، بينما بدت شوارع بريشتينا، عاصمة كوسوفو، شبه خالية خلال ساعات الظهيرة، مع تفضيل السكان البقاء داخل المنازل، وفي كرواتيا، امتدت آثار الموجة إلى البحر الأدرياتيكي، إذ تجاوزت حرارة المياه في مدينة بولا 27 درجة مئوية صباح الجمعة.

وتأتي هذه التطورات بعد صيف 2025 الذي شهد موجات حر وحرائق واسعة في منطقة البلقان، كان أبرزها تسجيل كوسوفو أعلى درجة حرارة في تاريخها عند 42.4 درجة مئوية، إضافة إلى حرائق كبيرة في ألبانيا أدت إلى إجلاء آلاف السكان.

دراسة علمية: التغير المناخي وراء موجة الحر

خلصت دراسة جديدة أعدتها شبكة «وورلد ويذر أتريبيوشن» الدولية إلى أن التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية مسؤول بشكل واضح عن موجة الحر الحالية في أوروبا الغربية.

وأوضح الباحثون أن موجة بهذه الشدة كانت شبه مستحيلة قبل نحو خمسين عامًا، وتحديداً في الظروف المناخية السائدة عام 1976، مشيرين إلى أنها لو حدثت آنذاك لكانت درجات الحرارة أقل بنحو 3.5 درجة مئوية نهارًا و2.4 درجة ليلًا.

وأكد الباحث تيودور كيبينغ، من كلية إمبريال في لندن، أن ارتفاع متوسط حرارة الأرض بنحو 1.1 درجة مئوية خلال العقود الخمسة الماضية أدى إلى زيادة كبيرة في احتمالات حدوث مثل هذه الموجات الحارة، وأوضحت الباحثة فريديريكه أوتو أن الظاهرة الجوية نفسها ليست جديدة، لكن ما تغير هو شدة درجات الحرارة نتيجة الاحترار العالمي.

لماذا أصبحت موجات الحر أكثر خطورة؟

يرجع العلماء السبب الرئيسي إلى الانبعاثات الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز، إضافة إلى إزالة الغابات، وهي عوامل أدت إلى زيادة حرارة الكوكب.

وأظهرت الدراسة أن الليالي الحارة أصبحت أكثر احتمالاً بنحو 100 مرة مقارنة بما كانت عليه خلال موجة الحر القياسية عام 2003، بينما ارتفع احتمال تسجيل درجات الحرارة القصوى نهارًا بنحو عشرة أضعاف، واستبعد الباحثون أي دور لظاهرة «إل نينيو» في موجة الحر الحالية، مؤكدين أن التغير المناخي هو العامل الحاسم.

الإجهاد الحراري يهدد المدن الأوروبية

حذرت الدراسة من أن موجة الحر الحالية لا تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة فقط، بل تترافق مع مستويات مرتفعة من الرطوبة، ما يزيد من خطر الإصابة بالإجهاد الحراري.

وأوضحت أن نحو 45% من أصل 854 مدينة أوروبية شملها التحليل سجلت بالفعل مستويات قياسية أو تقترب من تسجيل مستويات قياسية في مؤشر الإجهاد الحراري، الذي يجمع بين درجة الحرارة والرطوبة والإشعاع الشمسي والغطاء السحابي، ويستخدم لتقييم تأثير الحرارة على جسم الإنسان.

وفي المملكة المتحدة، سجلت منطقة سوفوك شرق إنجلترا 36.9 درجة مئوية، محطمة الرقم القياسي لأعلى درجة حرارة خلال شهر يونيو لليوم الثالث على التوالي، مع اقتراب موجة الحر من نهايتها.