<

"أبوظبي للغة العربية".. مبادرات ترسخ جسور التعاون الثقافي مع الصين

رسخ مركز أبوظبي للغة العربية، التابع لدائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، حضور اللغة العربية في جمهورية الصين الشعبية، عبر مشاريع للترجمة والنشر، ومعارض للكتاب، ومبادرات معرفية ترتكز على رؤية إماراتية تقوم على التفاعل الحضاري وبناء جسور ثقافية طويلة الأمد.

 تعزيز مكانة أبوظبي مركزاً عربياً رئيساً للتبادل الثقافي مع الصين

وجاءت مشاركة مركز أبوظبي للغة العربية في الدورة الثانية والثلاثين من معرض بكين الدولي للكتاب، التي تقام من 17 إلى 21 يونيو الجاري، وتحل فيها دولة الإمارات ضيف شرف، ضمن وفد وطني تقوده وزارة الثقافة، تجسيداً للدور الرائد الذي يقوم به المركز في تعزيز مكانة أبوظبي مركزاً عربياً رئيساً للتبادل الثقافي مع الصين، مستفيداً من حضوره المتنامي في صناعة النشر والمعرفة عالمياً.

ومنذ العام 2013، ومع إعادة إحياء مبادرة "الحزام والطريق"، توسعت شبكة التعاون بين مركز أبوظبي للغة العربية والمؤسسات الصينية الرسمية والثقافية، لتشمل الترجمة والنشر والمؤتمرات والتبادل المهني وإطلاق المنصات الرقمية.

وشكل اختيار جمهورية الصين الشعبية ضيف شرف الدورة السابعة والعشرين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب عام 2017 محطة مفصلية في هذا المسار؛ إذ حملت المشاركة الصينية حينها طابعاً استثنائياً، بوصفها من أكبر المشاركات الثقافية الصينية الخارجية، ما أسهم في نقل العلاقة من مستوى الحضور البروتوكولي إلى مستوى الشراكة المؤسسية المستدامة.

وعلى امتداد السنوات اللاحقة، رسخ المعرض مكانته منصة دولية رئيسة للحضور الثقافي الصيني، مستقطباً أكثر من 300 من أبرز الكتاب الصينيين، بينهم فائزون بجوائز أدبية رفيعة، في مقدمتها جائزة "ماودون".

كما أسهم المعرض في إثراء حركة الترجمة بإطلاق أكثر من 100 عنوان صيني باللغة العربية، إلى جانب مشاركة ما يزيد على 190 دار نشر صينية،

وشهد المعرض كذلك عرض أكثر من 1000 كتاب باللغة الصينية، وتنظيم ما يزيد على 120 فعالية ثقافية وفنية عكست ثراء الثقافة الصينية وتنوع تجلياتها الإبداعية.

وفي دلالة على الدور الذي تؤديه العاصمة الإماراتية في الحوار الحضاري العالمي، انفرد معرض أبوظبي الدولي للكتاب بإطلاق الطبعة العربية لكتابين من تأليف الرئيس الصيني شي جين بينغ، هما: "حول الحكم والإدارة" عام 2018، و"مبادرة الحزام والطريق" عام 2024.

ولم يقتصر التعاون على تبادل الإصدارات، بل امتد إلى بلورة بنية معرفية متكاملة؛ فقد نجح مشروع "كلمة" للترجمة في نقل عدد من الأعمال الصينية إلى اللغة العربية، شملت كتباً في الاقتصاد والأدب والثقافة العامة والتراث والمسرح، من بينها "قراءة في الاقتصاد الصيني"، و"على خطى الصين يسير العالم"، ورواية "جبل الروح" للكاتب الصيني غاو شينغجيان، الحائز على جائزة نوبل، إضافة إلى أعمال شين تسونغ ون، أحد أبرز رواد الأدب الصيني الحديث، ومجموعات قصصية موجهة للأطفال واليافعين.

وفي المقابل، عمل المركز على نقل كتب عربية إلى اللغة الصينية، بما يعكس رغبة إماراتية واضحة في تقديم السردية الثقافية الوطنية إلى القارئ الصيني بلغة معاصرة.

وتعزز هذا المسار بتوقيع بروتوكول تعاون إستراتيجي بين المركز والمجموعة الصينية للإعلام الدولي عام 2024، وهو اتفاق يتجاوز التبادل الثقافي التقليدي نحو بناء شراكات في مجالات الإعلام والنشر والدراسات والترجمة والتواصل الحضاري، ما أثمر إطلاق سلسلة "كتب الصين الأكاديمية" باللغة العربية، إلى جانب مشاريع لنشر ملخصات الكتب العربية بالصينية، ومبادرات لغوية مشتركة تستكشف المفردات ذات الجذور المشتركة بين اللغتين.

وتكشف الجوائز الثقافية التي يقدمها المركز عن عمق الاحتفاء بالمنجز الأدبي الصيني؛ فقد منحت جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي يقودها المركز، لقب "شخصية العام الثقافية" عام 2011 للباحث تشونغ جي كون، تقديراً لجهوده التي كرسها على مدار أكثر من نصف قرن لتعليم اللغة العربية وترجمة الأدب العربي.

وفي عام 2024، فازت مجموعة "بيت الحكمة للصناعات الثقافية" بالجائزة عن فرع "النشر والتقنيات الثقافية"، بعد أن نجحت في بناء واحدة من أبرز منصات التبادل الثقافي العربي الصيني، عبر ترجمة ونشر أكثر من 300 كتاب، وتطوير قواعد بيانات لغوية ومشاريع معرفية امتدت بين الصين والعالم العربي.

كما عكست المشاركة الصينية المستمرة في جائزة الشيخ زايد للكتاب، من خلال 40 ترشيحاً منذ إطلاق الجائزة عام 2006، تنامي حضور الثقافة الصينية في المشهد الثقافي العربي، وتحول الجائزة إلى مساحة للتفاعل الدولي تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.

وفي سياق يتصل بالرهان على المعرفة بوصفها أداة للتقارب الحضاري، يأتي توقيع ترجمة كتاب "شانغهاي ستة آلاف سنة: طريق الحضارة المتسع كالبحار" ضمن مشروع "كلمة"، والمقرر خلال معرض بكين الدولي للكتاب 2026، ليؤكد أن التعاون الثقافي بين الجانبين يتجه نحو تقديم التجارب الحضارية الكبرى للقارئ العربي ضمن مقاربات متعددة التخصصات تشمل التاريخ والاقتصاد والفنون والتكنولوجيا.

واعتباراً من العام 2013، التزم مركز أبوظبي للغة العربية بالمشاركة في معرض بكين الدولي للكتاب، وسرعان ما تحولت هذه المشاركة إلى منصة متقدمة للدبلوماسية الثقافية، أسفرت عن توقيع اتفاقيات تعاون، وتنظيم مؤتمرات حول النشر العربي الصيني، وإطلاق مبادرات رقمية، وتعزيز حضور الناشر الصيني في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ويشكل فوز جناح المركز بجائزة أفضل جناح في معرض بكين الدولي للكتاب عام 2018 مؤشراً واضحاً على المكانة الإماراتية المتنامية في الفضاء الثقافي الآسيوي.

ويواصل مركز أبوظبي للغة العربية أداء دور يتجاوز التعريف باللغة العربية إلى بناء شبكة تأثير ثقافي ممتدة بين العالم العربي والصين، بما يرسخ مكانة دولة الإمارات بوصفها نقطة التقاء حضارية، ويعزز حضورها شريكاً فاعلاً في ترسيخ الحوار والتقارب بين الثقافات.

المصدر : وام