مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، لم يقتصر الاهتمام على النتائج داخل المستطيل الأخضر أو مستويات المنتخبات، إذ سرعان ما طغت الملفات التنظيمية والسياسية والاقتصادية على المشهد العام، لتفرض نفسها بقوة على تغطية البطولة.
شهدت الأيام الأولى للبطولة سلسلة من الأحداث المثيرة للانتقادات، شملت احتجاجات في شوارع العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، واشتباكات قرب ملعب الافتتاح، إلى جانب موجة اعتراضات على ارتفاع أسعار التذاكر، فضلًا عن الصعوبات التي واجهها لاعبون وحكام وجماهير في الحصول على التأشيرات.
ورغم هذه الأجواء، وصف رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو البطولة بأنها «أعظم حدث في تاريخ البشرية»، وهو تصريح تكرر في مناسبات سابقة، ما فتح باب التساؤلات حول مدى توافق هذا الخطاب مع التحديات الواقعية التي تواجه النسخة الحالية.
من أبرز المشاهد التي أثارت نقاشًا واسعًا في المكسيك، قرار الرئيسة كلوديا شينباوم عدم حضور المقصورة الرسمية في مباراة الافتتاح بملعب أزتيكا، احتجاجًا على الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر.
وأوضحت شينباوم أن الأسعار باتت بعيدة عن متناول شريحة واسعة من الجماهير، مؤكدة أن الاستفادة من البطولة أصبحت محصورة في فئة قادرة مادياً، قبل أن تقوم بإهداء تذكرتها لشابة من السكان الأصليين، فيما تابعت اللقاء من منطقة جماهيرية عامة.
وأعاد هذا الموقف طرح تساؤلات حول ما إذا كانت البطولة، التي تأسست لتوحيد الشعوب، باتت تميل نحو نموذج تجاري يحد من وصول الجمهور العادي إليها، في ظل توقعات بعوائد مالية ضخمة تتجاوز المليارات.
لم تقتصر الانتقادات على الجانب الاقتصادي، إذ برزت قضايا التأشيرات والهجرة كأحد أبرز مصادر الجدل خلال البطولة.
فقد خضع مهاجم المنتخب العراقي أيمن حسين لتحقيق مطول عند وصوله إلى الولايات المتحدة، فيما مُنع الحكم الصومالي عمر عرتان من دخول الأراضي الأميركية رغم امتلاكه تأشيرة سارية، ما أثار علامات استفهام حول الإجراءات التنظيمية.
وفي السياق ذاته، انتقد مدرب منتخب النرويج ستاله سولباكن ما وصفه بـ«التناقضات» المحيطة بالبطولة، مشيراً إلى حضور السياسة بقوة في حدث يُفترض أن يجسد التقارب بين الشعوب.
ومع تصاعد الجدل، عادت إلى الواجهة اتهامات بازدواجية المعايير في تقييم بطولات كأس العالم. فبينما واجهت دول مضيفة سابقة انتقادات حادة بسبب ملفات تنظيمية مختلفة، يرى مراقبون أن حجم الجدل حول نسخة 2026 يتجاوز أحياناً حجم المشكلات الفعلية التي ظهرت في بدايتها، ما يفتح نقاشاً أوسع حول اختلاف المعايير في التعامل مع الدول المضيفة.
على مدار عقود، شكلت كأس العالم منصة تجمع شعوب العالم حول لعبة واحدة غير أن التحولات الاقتصادية المتسارعة في كرة القدم جعلت البطولة تتحول تدريجيًا إلى مشروع استثماري ضخم، تحكمه عقود البث والرعاية والعوائد التجارية.
ورغم التوقعات بتحقيق أرقام قياسية من حيث المشاهدة والإيرادات والتفاعل الرقمي، فإن الجدل المحيط بالنسخة الحالية يكشف أن مونديال 2026 بات يتجاوز حدود المنافسة الرياضية بين 48 منتخباً، ليعكس في الوقت ذاته تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي العالمي.
قد تحمل النسخة الحالية من كأس العالم لحظات كروية خالدة، إلا أن ما كشفته بدايتها يؤكد أن البطولة أصبحت أيضًا مساحة تعكس قضايا التفاوت الاقتصادي، وأزمات الهجرة، والتوترات السياسية، لتتحول كرة القدم مجددًا إلى مرآة دقيقة لواقع العالم المعاصر، لا مجرد لعبة تجمع الشعوب.