مع اقتراب انطلاق بطولة كأس العالم 2026 يوم 11 يونيو الجاري، تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تستضيف الحدث إلى جانب كندا والمكسيك، وسط تساؤلات متزايدة حول حجم الاستعدادات الجارية داخل المدن الأمريكية، فالمشاهد المنتشرة في بعض المناطق توحي وكأن البلاد تستعد لقمة دولية كبرى أو حدث عالمي استثنائي، وليس مجرد بطولة كرة قدم.
ورغم أن كأس العالم يعد أكبر حدث رياضي على مستوى العالم، فإن مظاهر الاستعداد لا تبدو متشابهة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ففي العديد من المدن التي لا تستضيف مباريات البطولة، تسير الحياة بصورة طبيعية للغاية، دون مؤشرات واضحة على اقتراب المونديال.
وفي العاصمة الأمريكية واشنطن، على سبيل المثال، لا تبدو هناك تغييرات لافتة في المشهد العام، رغم الشعبية المتزايدة لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة، فباستثناء بعض الأنشطة الترويجية المحدودة، يصعب على الزائر ملاحظة أن البلاد على بعد أيام قليلة من استضافة أكبر بطولة كروية في العالم.
تختلف الصورة بشكل واضح، في المدن المضيفة للمباريات، حيث بدأت ملامح البطولة تظهر تدريجيًا في الشوارع والساحات العامة ومحطات النقل الرئيسية، وانتشرت الشاشات الرقمية العملاقة التي تعرض رسائل ترحيبية بالمشجعين وبرامج المباريات، إلى جانب اللافتات الإرشادية الخاصة بالتنقل والوصول إلى الملاعب ومناطق المشجعين.
وشهدت العديد من المدن تزيين المعالم الشهيرة والجسور التاريخية بألوان البطولة وشعاراتها الرسمية، في إطار حملات تسويقية تهدف إلى خلق أجواء احتفالية تستقطب الجماهير القادمة من مختلف أنحاء العالم.
ولم تقتصر الاستعدادات على الجوانب الدعائية فقط، بل شملت أيضًا تطوير البنية التحتية المرتبطة بحركة الجماهير، فقد أجرت السلطات المحلية تعديلات واسعة على أنظمة المرور، مع تخصيص مسارات وحلول نقل إضافية لتسهيل انتقال المشجعين بين المطارات والفنادق والملاعب.
عززت بعض المدن خدمات القطارات والحافلات العامة، وزادت من عدد الرحلات اليومية خلال فترة البطولة، بهدف تقليل الازدحام المروري المتوقع واستيعاب الأعداد الضخمة من الزوار.
وفي الشوارع الرئيسية ومحيط الفنادق والمراكز السياحية، بدأت اللوحات الرقمية التفاعلية في عرض معلومات مباشرة تتعلق بالمباريات وأماكن الفعاليات الجماهيرية، بالإضافة إلى إرشادات الأمن والسلامة.
وفي مدينتي فيلادلفيا وهيوستن، جرى استبدال عدد من اللافتات المرورية الإلكترونية المؤقتة برسائل توعوية مخصصة للمونديال، تتضمن تعليمات تتعلق بإدارة الحشود ومسارات المشجعين وإجراءات الطوارئ، في إطار خطة متكاملة للحفاظ على النظام وضمان سلامة الزوار.
يشكل الملف الأمني أحد أبرز محاور الاستعدادات الأمريكية للمونديال، خاصة مع توقع حضور ملايين المشجعين من مختلف الجنسيات.
ففي مدينة كانساس سيتي، أعلنت السلطات عن خطة أمنية موسعة تشمل انتشارًا مكثفًا لعناصر الشرطة ووحدات الاستجابة السريعة، مع تجهيز فرق طوارئ قادرة على الوصول إلى مواقع الحوادث خلال أقل من نصف دقيقة في بعض المناطق الحيوية المحيطة بالملاعب.
أكدت الجهات المختصة في أتلانتا بولاية جورجيا، أن الجماهير ستواجه إجراءات أمنية مشددة تشمل نقاط تفتيش متعددة الطبقات، واستخدام تقنيات المراقبة الحديثة، إضافة إلى دوريات جوية وتحليق مروحيات أمنية لمراقبة محيط الملاعب والمناطق الجماهيرية.
تستعين السلطات بأنظمة ذكاء اصطناعي وكاميرات مراقبة متطورة لتحليل حركة الحشود ورصد أي تهديدات محتملة بشكل استباقي، في خطوة تعكس حجم الرهان على نجاح البطولة أمنيًا وتنظيميًا.
ولا تقتصر الخطط الأمريكية على الجوانب الرياضية والأمنية فقط، إذ تعمل عدة مؤسسات ومنظمات مدنية في مدينة بوسطن على تنفيذ برامج خاصة لرصد ومنع جرائم الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي والعنف الأسري، وهي جرائم ترتفع مخاطرها عادة خلال الفعاليات الجماهيرية الكبرى التي تستقطب أعدادًا ضخمة من الزوار.
وتشمل هذه البرامج حملات توعية وتدريب للعاملين في الفنادق ووسائل النقل والخدمات السياحية، بهدف اكتشاف الحالات المشبوهة والإبلاغ عنها بشكل سريع.
تبرز مدينة فيلادلفيا كحالة استثنائية بين المدن المضيفة، بعدما أعلنت تنظيم مهرجان جماهيري يومي يمتد طوال فترة البطولة، التي تصل إلى 39 يومًا.
ويتضمن المهرجان عروضًا موسيقية وثقافية وأنشطة رياضية وشاشات عملاقة لمتابعة المباريات، بهدف تحويل المدينة إلى واحدة من أبرز وجهات المشجعين خلال كأس العالم.
في المقابل، كشفت استطلاعات محلية أن مدينة سان أنطونيو بولاية تكساس تعد من أقل المدن الأمريكية اهتمامًا أو معرفة بتفاصيل البطولة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى عدم استضافتها لأي مباريات.
وتتركز استضافة مباريات ولاية تكساس في مدينتي هيوستن ودالاس، اللتين تشهدان بدورهما استعدادات مكثفة لاستقبال الجماهير والوفود الرسمية ووسائل الإعلام العالمية.
تحظى بطولة كأس العالم 2026 بأضخم تغطية تلفزيونية ورقمية في تاريخ المسابقة، مع مشاركة عشرات الشبكات الإعلامية حول العالم في نقل المباريات والفعاليات المصاحبة.
وتتولى شبكة "بي إن سبورتس" نقل البطولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باعتبارها الناقل الرئيسي للحدث، مع تخصيص استوديوهات تحليلية وبرامج يومية تغطي جميع تفاصيل المنافسات.
كما تشارك شبكة "الكأس" في بث المباريات عبر باقاتها الخاصة بالتنسيق مع "بي إن سبورتس"، بينما تتيح منصة TOD الرقمية متابعة المباريات عبر الإنترنت بجودة عالية وخيارات متعددة للمشاهدة.
وتوفر منصة FIFA+ الرسمية محتوى رقميًا موسعًا يشمل الملخصات والإحصائيات والتقارير الخاصة بالبطولة، إضافة إلى تغطية الأحداث المصاحبة للمونديال.
ومن المنتظر كذلك أن تحصل بعض الدول على حقوق بث مباريات منتخباتها عبر القنوات الأرضية المجانية، وفق الاتفاقيات المحلية الخاصة بكل سوق إعلامية.