في ظل تحذير الأمين العام للأمم المتحدة من أن انتهاء معاهدة نيو ستارت يشكل لحظة خطيرة على الأمن الدولي، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كان العالم يتجه نحو سباق تسلح نووي جديد بين واشنطن وموسكو، وحول فرص نجاح الدعوات الأممية لإطلاق إطار بديل يحد من المخاطر في ظل التوترات الجيوسياسية المتفاقمة.

وفي هذا السياق، قال الدكتور سمير أيوب، المحلل السياسي والمتخصص في الشأن الروسي، خلال حديث خاص لموقع مانشيت إن انتهاء المعاهدة يمثل تطورًا بالغ الخطورة، لأنه ينهي آخر إطار قانوني كان يضبط إيقاع التوازن النووي بين أكبر قوتين نوويتين في العالم.
وأوضح أيوب أن نيو ستارت كانت المعاهدة الأخيرة التي تربط روسيا والولايات المتحدة، والتي أتاحت آليات رقابة وتفتيش متبادلة ساهمت في ضبط إنتاج وتطوير وزيادة أعداد الأسلحة النووية مؤكدًا أن غيابها يفتح الباب أمام حالة من الانفلات الاستراتيجي.
وأشار إلى أن نهاية المعاهدة تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار العالميين، لافتًا إلى أن الشعور الأميركي بفائض التفوق العسكري خاصة في مجال الأسلحة التقليدية، انعكس في سياسات هيمنة وضغوط ممتدة من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، ونوه إلى أن هذا الواقع قد يعيد العالم إلى مربع سباق التسلح النووي، وهو ما يضع الكرة الأرضية أمام مخاطر غير مسبوقة.
أكد أيوب أن روسيا، رغم إعلان الرئيس فلاديمير بوتين سابقًا تمديد العمل بالمعاهدة لعام إضافي دعت مرارًا إلى إطلاق مفاوضات جديدة لضبط التسلح ومنع الانزلاق إلى سباق نووي مفتوح، في وقت تتسم فيه البيئة الدولية باضطرابات حادة وصراعات متشابكة، أبرزها الحرب في أوكرانيا، وبين أن موسكو حذرت أكثر من مرة من أن أي استهداف مباشر لبنيتها الاستراتيجية قد يدفعها إلى تفعيل عقيدتها النووية ما يرفع منسوب القلق الدولي.
وشدد على أن رفض واشنطن الانخراط في معاهدة جديدة مشابهة لـستارت 3 يعكس سعيًا لإعادة صياغة موازين القوى، خصوصًا مع مطالبتها بضم الصين إلى أي إطار تفاوضي جديد باعتبارها قوة نووية صاعدة ومن جهتها، تطالب موسكو بضم كل من فرنسا وبريطانيا إلى أي ترتيبات مستقبلية، ما يعقد المشهد ويجعل التوصل إلى اتفاق قريب أمرًا صعبًا في ظل تضارب المصالح.
وأشار أيوب إلى أن خطورة انتشار الأسلحة النووية لا تكمن فقط في احتمالات استخدامها، بل أيضًا في مخاطر الحوادث أو الكوارث التقنية والطبيعية، مستشهدًا بتجربتي تشيرنوبل في الاتحاد السوفيتي سابقًا، وفوكوشيما في اليابان، ولفت إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع بات يمكّن دولًا عدة من امتلاك قدرات نووية سواء لأغراض سلمية أو عسكرية كما حدث مع الهند وباكستان، فيما تبقى إيران حالة خاصة تعلن سلمية برنامجها مع احتفاظها بقدرات تقنية متقدمة، كما أشار إلى أن امتلاك إسرائيل لترسانة نووية كبيرة يمثل عنصر قلق إضافي في منطقة الشرق الأوسط، في ظل غياب أي منظومة رقابة إقليمية شاملة.
وأكد أيوب أن استمرار هذا المسار دون أطر قانونية ناظمة قد يضع العالم على فوهة بركان نووي موضحًا أن خروج الولايات المتحدة من منظومة المعاهدات قد يطلق سباقًا لتطوير أسلحة أكثر تقدمًا نووية وغير نووية، ما سيدفع قوى أخرى إلى مضاهاة هذا التطور، وشدد على أن الصين وروسيا لن تقبلا بتفوق نووي أمريكي مطلق، ما يجعل التوازنات الدولية مرشحة لمزيد من التعقيد.
وأكد بالقول إن العالم لا يستطيع تحمل سباق تسلح جديد في ظل الأزمات الاقتصادية والصراعات القائمة، مؤكدًا أن المطلوب اليوم هو العودة إلى طاولة التفاوض وإطلاق اتفاقيات جديدة تراعي التحولات في موازين القوى وتحفظ الأمن الدولي، لأن البديل عن التفاهم هو انزلاق تدريجي نحو مواجهة قد لا يمكن احتواء تداعياتها.