في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل المسارات العسكرية والدبلوماسية، يبرز سؤال مركزي يفرض نفسه على المشهد الراهن.. هل تتجه المنطقة نحو حرب حتمية أم أننا أمام تسوية كبيرة لم تتضح ملامحها بعد؟.

وفي هذا السياق قال الدكتور سهيل دياب، أستاذ العلوم السياسية والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، خلال حديث خاص لموقع «مانشيت» إن المنطقة تقف أمام مواجهة محتملة لكنها مؤجلة وقد لا تكون بعيدة زمنيًا، إلا أنها ما زالت تنتظر نضوج شروطها السياسية والإقليمية والدولية، وأشار إلى أن المشهد الإقليمي الحالي يعكس حالة معقدة من التناقض حيث تترافق أعلى درجات الجاهزية العسكرية مع إعلان نوايا للذهاب إلى التفاوض، بوصفه خيارًا اضطراريًا لتفادي انفجار مواجهة كبرى في هذه المرحلة.
أوضح دياب أن الولايات المتحدة وإيران إلى جانب إسرائيل، رفعت منسوب الاستعداد العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت لا تزال فيه احتمالات المواجهة قائمة، غير أن هذا التصعيد يتزامن مع رغبة معلنة في فتح مسار تفاوضي، ونوه إلى أن هذا المسار لا يعني بالضرورة السعي إلى تسوية شاملة، بل قد يكون هدفه كسب الوقت أو استخدام الدبلوماسية كغطاء سياسي يسمح بالعودة إلى خيار القوة، وبين دياب أن الفجوة بين المواقف الأميركية والإيرانية لا تزال عميقة، في حين تبدو الهوة أوسع مع الموقف الإسرائيلي، ما يجعل من الصعب الوصول إلى مفاوضات قادرة على إنتاج اتفاق طويل الأمد ومستقر.
وأكد أن هذا التباين يعكس حالة من السيولة الاستراتيجية، تسمح لكل الأطراف بالإبقاء على جميع الخيارات مفتوحة، سواء باتجاه التصعيد أو التهدئة.
ولفت دياب إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت مؤشرات على تقليص مستوى التصعيد العسكري، ولو على الصعيد الإعلامي، مرجعًا ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية
أولها ارتباك الإدارة الأميركية إزاء كلفة الحرب وتداعياتها غير المضمونة
وثانيها الوضع الداخلي الأميركي الذي يشهد تناميًا في معارضة الانخراط في حروب خارجية، وثالثها الموقف الإقليمي العام حيث ترفض دول محورية، مثل تركيا والسعودية ومصر، الانزلاق إلى مواجهة تهدد استقرار المنطقة ومصالحها المستقبلية.
وشدد دياب على أن إسرائيل تبقى العامل الأكثر زعزعة للاستقرار في المنطقة، والطرف الأقدر على قلب الطاولة عبر خطوة أمنية أو عسكرية كبيرة، ما يجعلها المتغير الأخطر في مسار التصعيد أو التهدئة.
وأوضح أن تقييم الاتجاهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة يتطلب مراقبة ثلاثة معايير أساسية، أولها تطور الوضع الداخلي الإيراني، بما يشمل الاحتجاجات والضغوط الاقتصادية والتحركات الاستخبارية وتأثيرها على الرأي العام، وثانيها مدى ليونة الموقف الإقليمي تجاه أي مواجهة عسكرية محتملة، وثالثها حاجة الولايات المتحدة إلى ذريعة سياسية أو تفاوضية تبرر بها أي عمل عسكري واسع، واكد أن هذه المعايير لم تنضج حتى الآن بالشكل الكافي الذي يسمح بالذهاب إلى مواجهة قاصمة تستهدف إسقاط النظام الإيراني.
ورجح دياب أن السيناريو الأقرب يتمثل في ما وصفه بسيناريو الخروج من الإحراج الذي يسمح لواشنطن بحفظ ماء وجهها من خلال فرض أمر واقع محدود، دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو فرض استسلام دبلوماسي كامل على إيران.
وأكد بالقول إن المنطقة، مهما يكن من أمر، لا تزال تقف أمام مواجهة محتملة لكنها مؤجلة، وقد لا تكون بعيدة زمنياً، إلا أنها تنتظر اكتمال شروطها السياسية والإقليمية والدولية.