لم تعد جزيرة غرينلاند مجرد مساحة جغرافية هامشية في أقصى الشمال بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز ساحات التنافس الدولي، في ظل تصاعد التصريحات الأميركية والألمانية حول مستقبلها ودورها الاستراتيجي.
هذا التوتر يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المواقف مجرد مناورة دبلوماسية، أم مؤشرًا على سباق نفوذ حقيقي في القطب الشمالي، وفي هذا السياق، أكد الدكتور إسماعيل تركي أستاذ العلوم السياسية، في حديث خاص لموقع «مانشيت» أن المشهد يتجاوز حدود التصريحات العابرة أو الرغبة في إظهار الحماية.

قال الدكتور إسماعيل تركي إن العالم يعيش ذروة التحول في النظرة إلى القطب الشمالي، بعد أن انتقل من كونه منطقة جليدية متجمدة إلى قلب فاعل في النظام الجيوسياسي العالمي، مشيرًا إلى أن هذا التحول يمكن فهمه من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية.
أوضح تركي أن جزيرة غرينلاند بمساحتها الشاسعة التي تبلغ نحو 2.1 مليون كيلومتر مربع، تمثل ما يشبه حاملة طائرات استراتيجية لا تغرق.
ولفت إلى أن التصريحات الأميركية، لا سيما تلك التي صدرت عن الرئيس دونالد ترامب مع مطلع عام 2026، لا تأتي من فراغ، بل تعكس رؤية أمنية تعتبر غرينلاند صمام أمان مباشر لواشنطن ونيويورك.
وأشار إلى أن السيطرة على الجزيرة تعني التحكم في الممر البحري الحيوي الواصل بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، وهو المسار الوحيد الذي يمكن للغواصات الروسية العبور منه إلى المحيط الأطلسي.
كما نوه إلى أن تعزيز القواعد الصاروخية في الجزيرة يشكل خط الدفاع الأول ضد أي صواريخ باليستية عابرة للقارات قد تأتي من الشمال
وشدد على أن الرؤية الأميركية لم تعد تعتبر السيطرة على غرينلاند مناورة سياسية، بل ضرورة وجودية لمنع روسيا والصين من إيجاد موطئ قدم في ما تصفه واشنطن بحديقتها الخلفية.
بين تركي أن الرئيس الأميركي ترامب يسعى إلى تحويل القوة الاقتصادية الأميركية إلى نفوذ جغرافي دائم، في إطار طموح شخصي لتخليد اسمه بين الرؤساء الذين وسّعوا الجغرافيا الأميركية على غرار جيمس بولك وويليام ماكينلي.
وأوضح أن هذا الطموح اصطدم مباشرة بحلفاء الولايات المتحدة في الناتو والدول الأوروبية، خاصة مع سعي واشنطن لنشر منظومات دفاعية متقدمة، مثل مظلة القبة السماوية انطلاقًا من غرينلاند.
أشار تركي إلى أن البعد الاقتصادي يمثل محورًا لا يقل أهمية، حيث تنظر ألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى غرينلاند باعتبارها بنك موارد استراتيجي للمستقبل.
وأوضح أن الجزيرة تضم ثامن أكبر احتياطي عالمي من العناصر الأرضية النادرة، الضرورية لصناعات الرقائق الإلكترونية، والسيارات الكهربائية، والتكنولوجيا العسكرية، وهو ما تسعى برلين لاستثماره من أجل تقليل اعتمادها على الصين.
كما لفت إلى أهمية طريق الحرير القطبي، فستصبح الرحلة البحرية بين آسيا وأوروبا عبر القطب الشمالي أقصر بنحو 40% مقارنة بطريق قناة السويس، ومن يسيطر على غرينلاند يسيطر عمليًا على مركز الخدمات اللوجستية لهذا المسار التجاري العالمي الجديد.
وأكد تركي أن الواقع يشير إلى صراع نفوذ صلب يدار بلغة دبلوماسية خشنة، لافتًا إلى أن استخدام واشنطن لورقة التهديد بفرض تعريفات جمركية كما حدث مع الدنمارك وألمانيا وفرنسا يعكس سعيًا لفرض سيادة فعلية أو تبعية اقتصادية كاملة، وليس مجرد توفير حماية أمنية.
وأوضح أن الولايات المتحدة لا تريد شركاء في غرينلاند، بل تسعى للسيطرة الكاملة عليها، رغم وجود قاعدة عسكرية أميركية، وتكفل الدنمارك بالإنفاق على الجزيرة.
ومن جهة أخرى، قال الدكتور تركي إن المواقف الألمانية والأوروبية تندرج ضمن مناورة دفاعية محسوبة، إذ تدرك أوروبا محدودية قدرتها العسكرية على منافسة واشنطن في القطب الشمالي، فتتجه إلى استخدام القوة الناعمة عبر الاستثمارات البيئية والشراكات التنموية مع الحكومة المحلية في غرينلاند، بهدف إبقاء الجزيرة ضمن المظلة الأوروبية.
وأوضح أن الولايات المتحدة تتعامل مع القطب الشمالي كمنطقة أمن قومي مباشر، بينما تحاول أوروبا الحفاظ على ما تبقى من استقلالها الاستراتيجي وكرامتها السياسية.
وأكد أن غرينلاند باتت الضحية والجائزة في آن واحد، حيث تستخدم التصريحات كأدوات ضغط ضمن مفاوضات أوسع تشمل التجارة، وحلف الناتو، والموقف من الصين، محذرًا من أن سياسات ترامب قد تدفع بعض الدول الأوروبية وكندا إلى تعزيز شراكاتها مع بكين، ما يفتح الباب أمام تصعيد أوسع في الصراع الدولي.