<

تفجير جسري الرقة.. «قطيعة سياسية» ورسم استباقي لحدود النفوذ في سوريا (خاص)

فجَّر عناصر من قوات سوريا الديمقراطية « قسد» جسرين رئيسيين على نهر الفرات في محافظة الرقة في شمال سوريا، عاد الجدل مجددًا حول دلالات هذه الخطوة وتوقيتها، وما إذا كانت تعكس إجراءً أمنيًا استباقيًا تحسبًا لتحولات ميدانية محتملة، أم رسالة سياسية محسوبة بدقة موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية في ظل إعادة رسم المشهد السوري.

وفي حديث خاص لموقع "مانشيت"، قدم الدكتور يعرب خيربك رئيس تحرير مرصد طريق الحرير والمتحدث الرسمي باسم المنظمة الإنسانية الدولية قراءة معمّقة لأبعاد هذه الخطوة وتداعياتها.

الدكتور خير بك
الدكتور خير بك


خطوة أمنية استباقية 

قال الدكتور يعرب خيربك إن تفجير الجسرين يعد عمليًا أولى الخطوات الأمنية الاستباقية التي اتخذتها "قسد"، في ظل توقعات بتصاعد التوتر واحتمال حدوث صدام مع المجموعات التابعة للجيش السوري ضمن إطار الحكومة الانتقالية، مع تقدمها المحتمل باتجاه مناطق شرق الفرات.

وأوضح أن الجسور تمثل شرايين حيوية للحركة العسكرية وبالتالي فإن تعطيلها يهدف إلى إبطاء أي تقدم بري مفاجئ وفرض وقائع ميدانية جديدة، تمنح "قسد" هامشًا أكبر للمناورة في المرحلة المقبلة.

لفت خيربك إلى أن الخطوة لا يمكن فصلها عن بعدها السياسي، مشيرًا إلى أنها تحمل رسالة واضحة مفادها أن جسور التواصل بين الضفتين قد قُطعت، سواء مدنيًا أو سياسيًا، وأشار إلى أن "قسد" كانت قد حاولت في مراحل سابقة إرسال إشارات حسن نية عبر الانسحاب من بعض المناطق ولا سيما في محيط الحافر في إطار تفاهمات غير معلنة لخفض التصعيد، إلا أن استمرار العمليات العسكرية من الطرف المقابل بدّد تلك المحاولات ما دفع "قسد" إلى إعلان قطيعة واضحة مع هذه المسارات.

نهر الفرات كـ"خط فاصل للنفوذ" 

ونوه خيربك إلى أن هذه الخطوة تعكس أيضًا تأكيدًا ميدانيًا على أن نهر الفرات هو الحدّ الجغرافي والسياسي لما يُعرف بشرق سوريا، مشددًا على أن هذا المفهوم كان حاضرًا في الأدبيات السياسية والعسكرية لـ"قسد"، وكذلك في الطروحات الأميركية السابقة.

وأوضح أن مصطلح شرق الفرات لطالما ارتبط بالمناطق الخاضعة لسيطرة "قسد"، لكن التطورات الأخيرة لا سيما منذ ما عُرف بإعلان باريس أظهرت ملامح تراجع أو إعادة تموضع في الموقف الأميركي تجاه دعم "قسد"، خصوصًا في المناطق الواقعة خارج هذا الإطار الجغرافي.

الغياب  الأميركي دلالة لا يمكن تجاهلها

وشدد خيربك على أن غياب أي تدخل أميركي رغم وجود قوات قريبة من مناطق الاشتباك، يحمل دلالات سياسية بالغة الأهمية، معتبرًا أن عدم تقديم الدعم يعكس تفاهمات مسبقة حول السماح بإعادة ترتيب السيطرة في بعض المناطق.

وأشار إلى أن هذا الغياب لم يكن عابرًا بل جزءًا من توافقات أوسع، تقضي بتقليص نطاق انتشار "قسد"، وحصرها ضمن جغرافيا شرق الفرات، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة تفاوضية جديدة.

ترتيب الملفات الشائكة

وفي هذا السياق، قال خيربك إن تفجير الجسور لا يعني إغلاق باب التفاوض بل على العكس، قد يكون تمهيدًا لدخول مرحلة جديدة من المفاوضات، وإن كانت أكثر تعقيدًا وحساسية.

وأوضح أن زيارة قائد "قسد" مظلوم عبدي إلى دمشق، بحضور أميركي تندرج ضمن هذا الإطار، حيث من المتوقع بحث ما أسماه المرحلة القادمة، والتي تشمل ترسيم الحدود الفعلية، ووضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بملف "قسد" ومستقبل الفيدرالية في سوريا خاصة بعد تطورات السويداء.

وأكد خيربك  أن تفجير الجسرين ليس حدثًا تقنيًا أو ميدانيًا معزولًا، بل خطوة مركبة تحمل رسائل أمنية وسياسية متزامنة، تعكس حجم التحولات الجارية في سوريا واستعداد مختلف الأطراف لمرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم النفوذ وترتيب التفاهمات الإقليمية والدولية.