تتواصل اقتحامات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى المبارك رغم الإدانات الأردنية الرسمية والتحذيرات العربية المتكررة، في مشهد يعكس تصعيدًا خطيرًا في التعاطي الإسرائيلي مع المقدسات الإسلامية ويثير تساؤلات جدية حول مدى تآكل الردع السياسي العربي، وحدود أدوات الضغط المتاحة أمام عمان في هذه المرحلة الحساسة.

وفي هذا السياق قال الدكتور خالد شنيكات رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، في حديث خاص لموقع «مانشيت» إن الاقتحامات المتكررة التي ينفذها بن غفير تعكس مستوى عميقًا من الالتزام الأيديولوجي لدى الوزير وحزبه لافتًا إلى أنه ينطلق من قناعة راسخة بأن أرض فلسطينية المحتلة هي أرض إسرائيلية وأن المسجد الأقصى من وجهة نظره ليس سوى موقع لما يسمى هيكل سليمان.
وأوضح شينكات أن هذا التصور العقائدي لا يقتصر على الخطاب السياسي، بل يترجم عمليًا من خلال سياسات وممارسات ميدانية، حيث يعتقد بن غفير أنه يمارس طقوسًا دينية معتبرًا أن وجود المسجد الأقصى يتناقض مع الأيديولوجيا التي يؤمن بها ويسعى إلى فرضها كأمر واقع
وأشار شنيكات إلى أن الموقف الأردني يستند إلى مرجعية عربية واضحة، مؤكدًا أن عمان كانت على الدوام تدين هذه الانتهاكات الإسرائيلية، وتستند في موقفها إلى ما نصت عليه معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية الموقعة عام 1994، والتي تؤكد ضرورة احترام الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ونوه إلى أن التحول الجوهري بدأ مع وصول بن غفير والتيارات اليمينية المتطرفة إلى مراكز القرار في إسرائيل، حيث لم تعد الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى المعاهدة أو التفاهمات السابقة باعتبارها التزامًا سياسيًا ملزمًا.
وبين أن المؤسسات الدينية والعسكرية الإسرائيلية كانت في مراحل سابقة تأخذ بعين الاعتبار حساسية المسجد الأقصى، وتحرص على عدم تجاوز الخطوط الحمراء خشية اندلاع ردود فعل فلسطينية أو عربية واسعة.
وأكد شنيكات أن الرد على هذه السياسات لا يمكن أن يقتصر على الأردن وحده، مهما امتلك من أدوات سياسية ودبلوماسية، مشددًا على أن ما يجري في المسجد الأقصى لا ينفصل عن مجمل السياسات الإسرائيلية، سواء المتعلقة بحل الدولتين، أو ما يحدث في قطاع غزة، بما في ذلك عرقلة إدخال المساعدات الإنسانية.
وأوضح أن التحرك الفردي يظل محدود الأثر، وأن المرحلة تتطلب موقفًا عربيًا جماعيًا منسقًا، لأن المقدسات لا تمس دولة بعينها، بل تمس الأمة العربية بأكملها.
إلا هذا النهج تبدل مع حكومة بنيامين نتنياهو الحالية التي تجاهلت توصيات المؤسسات الأمنية، معتبرة أن إسرائيل في موقع قوة وقادرة على فرض رؤيتها ومعتقداتها وسياساتها دون خشية من تداعيات إقليمية في ظل شعور متنام بالتفوق وغياب الردع.
لفت شنيكات إلى أن السياسات الإسرائيلية الحالية تعمل بشكل يومي على تكريس واقع جديد في القدس، في رسالة موجهة إلى الدول العربية مفادها أن موازين القوى تتغير، وأن الحكومة الإسرائيلية ماضية في فرض روايتها التاريخية، معتبرة أنها تصحح خطأ تاريخيًا امتد لعقود طويلة.