اقترب المشهد السوري من لحظة شديدة الحساسية، فيما نبه الدكتور سمير التقي، مدير مركز الشرق للبحوث، من أن تأخير المصالحة الوطنية التوافقية لم يعد مجرد تعثر سياسي، بل بات خطرًا مباشرًا يهدد وحدة البلاد وتماسكها في المدى القريب جدًا.
وقال «التقي» في حديث خاص لموقع «مانشيت»، إن الجمود الداخلي القائم، مقابل اندفاع واضح نحو ترتيبات أمنية خارجية يضع سوريا أمام معادلة مختلة قد تفضي عمليًا إلى تكريس التفكك بدل إعادة بناء الدولة.

وأشار إلى أن دهشة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو من سرعة التسهيلات السورية في المسار الأمني، تعكس حجم الضغوط الأميركية المفروضة على دمشق للدفع نحو اتفاق أمني طويل الأمد مع إسرائيل.
وأوضح أن إسرائيل لا تتعامل مع هذه التفاهمات باعتبارها إجراءات تهدئة مؤقتة، بل تسعى إلى اتفاق تعاقدي غير متكافئ يحول سوريا إلى دولة مقيدة السيادة، ويجعل من دمشق سياسيًا وعسكريًا مدينة ساقطة بلا أفق زمني محدد.
وبين «التقي» أن الشروط الإسرائيلية لا تقتصر على ضبط الحدود، بل تمتد إلى تحديد قدرات سوريا الدفاعية، بما في ذلك الصواريخ والمسيرات ومنظومات الدفاع الجوي، فضلًا عن المطالبة بملفات أمنية لأشخاص تعتبرهم إسرائيل تهديدًا مباشرًا لأمنها.
وتوقف عند التناقض الجوهري في الخطاب الرسمي، إذ تكرر السلطات السورية التأكيد على أن سوريا لن تكون مصدر تهديد لأي من جيرانها سواء إسرائيل أو تركيا أو إيران، وهو ما يفتح بحسب تعبيره سؤالًا مركزيًا لا يمكن تجاهله: إذا لم يكن هؤلاء أعداء فمن هو العدو؟ ولماذا يتسلح الجيش؟ وضد من تبنى الاستعدادات العسكرية؟
ورأى أن غياب تعريف وطني جامع للعدو في ظل انقسام الداخل يحول القوة العسكرية من أداة حماية للدولة إلى قوة بلا عقيدة وطنية واضحة.
ومن جهة أخرى قال «التقي» إن الانشغال باتفاقات أمنية جزئية مع إسرائيل، يجري على حساب الجهد السياسي الحقيقي المطلوب لإطلاق مصالحة وطنية طوعية بين السوريين تفضي إلى سلم أهلي مستدام ونموذج دولة وطنية حديثة.
وأوضح أن أي دولة قابلة للحياة تحتاج إلى عقد اجتماعي مدني ديمقراطي جامع يكون المصدر الأساس للحقوق والواجبات ويؤسس لاحتكار الدولة للعنف المشروع وينظم العلاقة بين المواطنين على أساس المواطنة لا الطائفة أو القومية.
وأشار إلى أن أخطر ما يترتب على تأجيل العقد الاجتماعي، هو بقاء الجيش بلا عقيدة وطنية جامعة تعكس حياد الدولة تجاه الهويات الفرعية، وتجعل من المؤسسة العسكرية أداة لحماية المجال الوطني، لا تمثيل جماعة أو إيديولوجيا بعينها.
وأضاف «التقي» أن الدولة لا تبنى بالدساتير وحدها، بل بقدرتها على ترسيخ حياد المؤسسات السيادية، وضمان ولاء القوة للسلم الأهلي، لا للاصطفافات الضيقة.
وأكد مدير مركز الشرق للبحوث، أن الجمود الداخلي يترجم عمليًا إلى خرائط نفوذ سواء في شرق الفرات، أو جبل العرب أو شمال غرب سوريا؛ حيث تسيطر فصائل موالية لتركيا، بعضها بات موضع مساءلة دولية كما حدث مؤخرًا مع العقوبات البريطانية.
وبين أن هذا الواقع يرسخ وجود مؤسسات موازية، وولاءات اقتصادية وأمنية متعارضة وسرديات متناقضة عن الشرعية لا تلتقي عند مفهوم الدولة الواحدة.
وشدد مدير مركز الشرق للبحوث، على أن جوهر المأزق السوري يكمن في اختلال ترتيب الأولويات،
هل تبنى الدولة أو لا من الداخل، عبر عقد اجتماعي جديد يوحد السوريين ثم تدار الملفات الخارجية من موقع قوة وطنية؟ أم تدار المخاطر الخارجية على حساب تأجيل العقد، بما يكرس الانقسام ويصلب الضعف؟
وأكد «التقي» أن عدم التسوية الداخلية لا يشتري وقتًا، بل يفتح المجال لتدخلات خارجية أوسع ويعيد إنتاج خطابين متطرفين خطاب ديني تكفيري من جهة وخطاب تعبوي واسع من جهة أخرى.
وأوضح أن مأزق الترتيبات الأمنية يكمن في افتراضها وجود دولة موحدة قادرة على تحويل الهدوء إلى بناء سياسي، أما في ظل واقع موزع بين سلطات فعلية، فإن الهدوء لا يقود إلى إعادة توحيد بل إلى تثبيت الانقسام كأمر واقع.
واستشهد مدير مركز الشرق للبحوث، بمقولة أنطونيو غرامشي، عن المرحلة الانتقالية حين يحتضر القديم ولا يولد الجديد فتخرج الوحوش في صورة فوضى وتطرف، واقتصاد مسلح، مشددًا على أن ما يترسخ على الأرض في الشرق الأوسط لا يزول بسهولة وأن المؤقت غالبًا ما يتحول إلى دائم.
ولفت إلى أن أجراس الحرب لا تقرع فجأة، بل حين تترك الدولة بلا عقد اجتماعي والجيش بلا عقيدة جامعة، والسيادة بلا إجماع وطني مستحضرًا مقولة جون دن: «لا تسأل لمن تقرع الأجراس إنها تقرع لك».