تزدحم طرق الضفة الغربية بالحواجز العسكرية التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للفلسطينيين عند تنقلهم بين المدن، ومع استمرار هذه الإجراءات بهذا الشكل يطرح كثيرون تساؤلات حول الهدف الحقيقي منها: هل هي إجراءات أمنية مرتبطة بالمرحلة، أم أنها تحولات إلى سياسة طويلة المدى لفرض واقع جديد على الأرض؟
وفي حديث خاص لموقع «مانشيت» قدم الدكتور سهيل دياب، المحلل السياسي الفلسطيني وخبير الشؤون الإسرائيلية، قراءة لما يجري في الضفة الغربية، مؤكدًا أن هذه الساحة أصبحت العامل الأهم في تحديد مستقبل القضية الفلسطينية وفي حسم ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تصفية كاملة للقضية كما ترغب إسرائيل، أو نحو فرض حل سياسي يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وحق الشعب في تقرير مصيره.
وأوضح أن الضفة الغربية هي المحور الذي ستقاس عليه النتائج لأنها القلب السياسي والجغرافي للصراع، ولأن ما يحدث فيها يتجاوز تأثيره ساحات غزة والشتات.
وأشار «دياب» إلى أن التطورات الجارية اليوم ليست منفصلة عن سياقات السنوات الماضية، لكنها تحمل خصوصيات جديدة برزت بعد وقف إطلاق النار في غزة؛ حيث ارتفع مستوى الاهتمام الإسرائيلي بالضفة، التي باتت الورقة الأخيرة التي يتحرك فيها «نتنياهو» بأريحية كبيرة وبأقل ضغط دولي أو أميركي.
ولفت إلى أن هذا المشهد مكن إسرائيل من الدفع باتجاه هدفين أساسيين هما السيطرة على الجغرافيا وتغيير الواقع الديمغرافي الفلسطيني داخل الضفة الغربية.
وبين أن الخطة التي طرحها «سموتريتش»، وجرى الاتفاق عليها دون إعلان رسمي، تعتمد على إزاحة التجمعات الفلسطينية من المساحات الواسعة باتجاه مناطق ضيقة ومكتظة.
وأكد أن جوهر الخطة يقوم على وضع نحو 80% من مساحة الضفة الغربية تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، بحيث لا يعيش فيها سوى 10% من الفلسطينيين، مقابل حشر نحو 90% من السكان داخل مساحة لا تتجاوز عشرين في المئة في المدن المكتظة.
وقال إن هذه الهندسة السكانية والجغرافية هدفها منح إسرائيل أكبر مساحة ممكنة من الأرض مقابل أقل عدد من الفلسطينيين، مضيفًا أن الحواجز والبوابات ونقاط الاستيطان وشبكات الطرق الحالية ليست أحداثا متفرقة؛ بل حلقات ضمن خطة واحدة تهدف إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويل السكان إلى تجمعات معزولة تعجز لاحقاً عن تشكيل كيان دولة.
ونوه «دياب» إلى أن إسرائيل ترى أن هذه المرحلة تمثل فرصتها الذهبية لإنجاز مخططها قبل حدوث أي تغيير سياسي داخلي، ولذلك يجري تنفيذ الخطة بوتيرة متسارعة.
وأوضح أيضًا أن الضفة الغربية تحظى هذا العام، الذي يشهد انتخابات إسرائيلية، بإجماع واسع داخل المجتمع الإسرائيلي بخلاف قطاع غزة، فالمؤسسة الأمنية ترى أن السيطرة عليها ضرورة استراتيجية، بينما تعتبرها التيارات الدينية والتوراتية أرضًا تحمل جذورًا يهودية ويطلقون عليها يهودا والسامرة، وهو ما يعزز حالة الاتفاق الداخلي على ضرورة ضمها.
ولفت «دياب» إلى أن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر شكلت تحولًاخطيرًا في بنية السيطرة الإسرائيلية على الأرض، بعدما ظهر نوع من الاندماج والتفاهم الكامل بين ضباط الجيش وجماعات المستوطنين.
وقال إن مجموعات المستوطنين التي كانت في السابق تعد عائقًا للجيش أصبحت اليوم جزءًا من منظومة العمل الميداني، إذ يتم تكليف المستوطنين بتنفيذ ما لا يستطيع الجيش القيام به مباشرة؛ لأنه مخالف للقانون الدولي، مثل الإعتداءات على المزارعين والسكان الفلسطينيين، بينما يوفر الجيش لهم الغطاء والحماية.
وأشار إلى أن هذا التناغم المستجد بين الجيش والمستوطنين تحول إلى أداة منهجية لفرض واقع جديد على الأرض ودفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية داخل مناطق محدودة.