<

خاص| مستقبل أوروبا العسكري بعد موقف ألمانيا الرافض للاستراتيجية الأميركية

أظهرت ألمانيا موقفًا رافضًا جزئيًا لاستراتيجية الولايات المتحدة الأمنية في أوروبا، مؤكدة ضرورة حماية الديمقراطية الأوروبية بقدراتها الذاتية وتقليل الاعتماد على واشنطن.

ويعكس هذا الموقف رغبة برلين في تعزيز استقلالية القرار الأوروبي وإعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية وسط تحولات موازين القوة في القارة.

الدكتور عبداللطيف درويش
الدكتور عبداللطيف درويش

الموقف الألماني الرافض للاستراتيجية الأمنية الأميركية

ومن هذا المنطلق، يوضح الدكتور عبد اللطيف درويش، أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات والصراعات الدولية في جامعة كارديف متروبوليتان البريطانية، في حديث خاص لموقع «مانشيت» أن الموقف الألماني الرافض جزئيًا للاستراتيجية الأمنية الأميركية يعكس إدراكًا متزايدًا داخل أوروبا بضرورة حماية الديمقراطية الأوروبية بقدرات ذاتية.

ولفت إلى أن ألمانيا، بوصفها القوة الاقتصادية الأولى في الاتحاد الأوروبي، باتت تدرك أن استمرار الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأميركية لم يعد خيارًا آمنًا في ظل تغير أولويات واشنطن وانكفائها التدريجي نحو ملفاتها الداخلية والتنافس مع الصين.

وأشار إلى أن الدعوات الألمانية لحماية الديمقراطية الأوروبية ذاتيًا تعبر عن قناعة متنامية داخل النخب السياسية الأوروبية بضرورة امتلاك قرار أمني مستقل، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي طالت القارة، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا.

رفع الإنفاق العسكري الأوروبي

وأكد درويش أن رفع الإنفاق العسكري الأوروبي وتوسيع القدرات الدفاعية المشتركة لا يعني الانفصال عن حلف شمال الأطلسي، بل يهدف إلى إعادة التوازن داخل الحلف، بحيث تصبح أوروبا شريكا فعليًا لا عبئًا أمنيًا على الولايات المتحدة.

وأوضح أن الحديث المتزايد عن تشكيل جيش أوروبي مستقل يمثل تطورًا نوعيًا في التفكير الاستراتيجي الأوروبي، تقوده فرنسا وألمانيا، ويعكس رغبة حقيقية في إعادة صياغة مفهوم الأمن الجماعي الأوروبي.

الانتقادات الأميركية المتكررة لأوروبا

وأوضح أن الانتقادات الأميركية المتكررة لأوروبا خاصة في ملفات الهجرة والإنفاق الدفاعي، أسهمت في تسريع هذا التحول، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود التدخل الأميركي في الشؤون الداخلية الأوروبية.

وأضاف أن ألمانيا تسعى من خلال هذا المسار، إلى لعب دور قيادي يوازن بين متطلبات الأمن الأوروبي والحفاظ على الاستقرار السياسي داخل الاتحاد، دون الدخول في قطيعة مباشرة مع واشنطن.

وبين أن فتح قنوات حوار أوروبية مستقلة مع روسيا يظل جزءًا من رؤية ألمانية أوسع لإعادة بناء منظومة أمنية أوروبية أكثر شمولًا، تقوم على الردع والحوار في آن واحد.

ورأى درويش أن ما تشهده أوروبا اليوم لا يعكس مجرد خلاف عابر مع الولايات المتحدة، بل يؤشر إلى بداية إعادة ترتيب شاملة للاستراتيجيات الأمنية، قد تعيد رسم موازين القوة داخل حلف الناتو خلال السنوات المقبلة.

وأضاف أن ألمانيا مؤهلة لمكانة القيادة الأوروبية في المستقبل القريب، مستندة إلى مقوماتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.