انتقلت من 50 مئوية إلى 50 تحت الصفر

أول إماراتية ترفع علم الدولة على «إيفريست»: أروع لحظات حياتي (حوار خاص)

مانشيت

في عالم يعج بالنجاحات والإنجازات، برز اسم نائلة البلوشي كأيقونة إماراتية «كسرت كل الحواجز»، وتخطت الصعاب، لتسطر اسمها في سجل «التاريخ» متبوعًا بعبارة: «أول إماراتية تعتلي قمة جبل إيفرست المهيبة»، ولم يكن طريق البلوشي إلى هذا الإنجاز غير المسبوق مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتحديات أحيانًا والمخاطر في أحيان أخرى، لكن شغفها وولعها بالتجربة وإصرارها على إثبات الذات جعلاها تصعد إلى «القمة الأعلى في العالم»، وترفع علم الإمارات ليرفرف شامخًا وسط السحاب. 
البلوشي البطلة فتحت قلبها وخزانة أسرار رحلتها إلى «القمة» خلال حوار مع «مانشيت»، وتحدثت عن التفاصيل والاستعدادات والصعوبات والتحديات، وروت مواقف وأحداث تفيض صبرًا ودأبًا وإصرارًا على النجاح.

* كيف بدأت فكرة تسلق الجبال، ولماذا اختارت نائلة البلوشي هذه الرياضة الصعبة خصوصًا للبنات؟

أنا إنسانة رياضية بشكل عام، وأمارس رياضات كثيرة منها الغوص «السكوبا» والغوص الحر، وركوب الدراجة الهوائية، ركوب الخيل، والكيك بوكسينغ، وكنت في فريق «الدراغون بوت» لفترة، وفكرة تسلق جبل إيفرست كانت حلمً يراودني منذ فترة طويلة وأتمنى تحقيقه لأثبت لنفسي «أني قادرة»، و«ألهم البنات من بعدي».

انخفاض درجات الحرارة في صدارة التحديات

* من المؤكد أن البداية لم تكن سهلة.. نود التعرف على الصعوبات التي واجهتك وكيف تغلبتِ عليها؟
من الطبيعي أن تواجه ممارسة أي رياضة صعوبات وتحديات، لكن الصعوبات أكثر وأقوى في تسلق الجبال، فذا النشاط يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالطقس وتقلباته، بخلاف أن لكل جبل طبيعته الخاصة من حيث التضاريس والبيئة والارتفاع، وأبرز ما واجهته خلال رحلتي إلى إيفرست كان الانخفاض الشديد في درجات الحرارة التي قد تصل إلى 50 درجة تحت الصفر، بينما نشأت في بيئة معتادة على حرارة قد تصل إلى 50 درجة مئوية.

* أين ومتى كانت التجربة الأولى.. وما إحساسك؟
دائمًا كنت أشارك في رحلات «هايكنغ» داخل الدولة وفي سلطنة عُمان، لكن تجربتي الأولى مع تسلق جبل ثلجي كانت في أوكرانيا، حيث صعدت جبل «هوفرلا» الذي يبلغ ارتفاعه 2061 مترًا، وذلك خلال موسم الشتاء هناك، وقد كان الثلج يغمر نصف جسدي بالمعنى الحرفي، ومع ذلك كانت تجربة فريدة لا تُمحى من الذاكرة.

انجازي ليس شخصيًا ودعم المحيطين وراء النجاح


* كيف كان رد فعل المجتمع والمحيطين تجاه قرارك؟
ردود الفعل المجتمعية كان لها أثر كبير في مسيرتي، و«الحمد لله» وجدت دعمًا واسعًا وتقبلًا للفكرة من الجميع، وتلقيت كلمات تشجيع ومحبة من الكثيرين، ونعم هذا التقدير منحني شعورًا بالفخر، خاصة حين أدركت أن إنجازي لم يكن شخصيًا فحسب، بل كان مصدر إلهام لغيري أيضًا.

«ما تقدرين»  قالها المدرب فأشعلت حماسي لاعتلاء القمة

* ما أبرز المواقف الصعبة والطريفة التي تعرضتِ لها خلال الرحلة؟
أذكر موقفًا حدث لي قبل ساعات من وصولي للمخيم الرئيسي لإيفرست، كنت بطيئة بسبب انخفاض نسبة الأكسجين هناك، وكان معي «شربا» وهو مرشد له صيت في تسلق جبل إيفرست، كان واقفًا ينتظرني لأصل له، وأشار لي  «هناك المخيم»، ثم قال بلهجته: «نائلة لا  تزعلي، لكن أظن أنكِ ما تقدرين توصلين لقمة جبل إيفرست»، آثرت الصمت، واكتفيت بابتسامة هادئة قبل أن أتابع المسير.

خضت المغامرة دون تدريب واعتمدت على خبراتي

* تسلق هذه القمة الشاهقة يحتاج إلى تدريب مكثف، نود التعرف على خطة الاستعداد
بصراحة لم أخضع لأي تدريب خاص بتسلق إيفرست، وكل شيء جرى بسرعة ودون تخطيط مسبق، ففي مطلع عام 2022 راودتني فكرة تسلق «ايفريست»، وتحمست لأنه لم يسبق لأي فتاة إماراتية الوصول إلى القمة، وقررت الاعتماد على خبراتي السابقة، وتواصلت مع شركة متخصصة في تنظيم الرحلات، وبعد أسابيع قليلة، وتحديدًا في منتصف شهر أبريل، كنت في النيبال أستعد لمغامرتي الكبرى.

* صفي لنا لحظة الوصول إلى القمة.. وما احساسك وهامتك وسط السحاب
في اللحظة الأولى فوق ايفرست كنت غير مصدقة أنني بلغت القمة، وانتابني شعور يصعب وصفه، عندما بلغت القمة بعد مسيرة استمرت عشر ساعات متواصلة حتى وجدت نفسي أتمتم بكلمة واحدة: «أخيرًا»، لكن المدهش أن الإحساس بالفخر لم ينتابني فوق القمة نفسها، بل عند عودتي إلى المخيم الرئيسي، حيث تمكنت من الاتصال بالإنترنت، وانهالت علي رسائل التهاني من عائلتي وأصدقائي وحتى من أشخاص لا أعرفهم، عندها فقط أدركت أنني أنجزت شيئًا يستحق الاعتزاز.

* الإمارات تحتفي بأبنائها المتميزين.. ما هي ردود الفعل الرسمية والإعلامية بعد إنجازكِ الكبير؟
الإعلام الإماراتي كان حاضرًا بقوة وغطّى هذا الإنجاز بصورة جميلة تعكس اهتمام الوطن بكل خطوة يخطوها أبناؤه، وقد غمرتني رسائل المحبة والتشجيع من مختلف شرائح المجتمع، ما أشعرني بمسؤولية أكبر تجاه ما قدمت، «الحمد لله»، شعرت أنني رفعت اسم «الإمارات عاليًا» فوق القمم، وآمل أن أكون قدوة ملهمة للشباب ليثقوا بأنفسهم ويسعوا وراء أحلامهم مهما بدت صعبة أو مليئة بالتحديات.

* بعد «إيفرست» ما أبرز أحلامك وما محطتك القادمة؟
الحياة بالنسبة لي مليئة بالفرص والتجارب التي تستحق أن تعاش، وأنا بطبعي أحب خوض كل ما هو جديد ومختلف، لدي أحلام كثيرة أؤمن أنها «ستتحقق بإذن الله»، وكل خطوة أحققها اليوم هي بداية لحلم أكبر غدًا، وبالتأكيد ستعرفون عنها في وقتها.

لا مستحيل مع الدأب والإصرار والمثابرة 

* ما النصيحة التي تقدمها نائلة البلوشي للشباب أصحاب الهوايات والمهارات؟
أنصح الشباب وكل من يملكون هواية أو مهارة، أن يؤمنوا بأنفسهم أولًا، وألا يستهينوا بأي شغف «مهما بدا بسيطًا»، فالبدايات دائمًا صعبة، لكن مع الاستمرار والتدريب يتحول المستحيل إلى ممكن، ولا تنتظروا أن تأتيكم الفرصة، بل اصنعوها بأيديكم، ومع مرور الوقت ستكتشفون أن ما تحبونه قد يصبح إنجازًا عظيمًا تفخرون به، وربما يكون مصدر إلهام لآخرين يسيرون على خطاكم.