تهديدات ترامب من موسكو إلى غزة.. ردع شامل أم تكتيك تفاوضي؟ (خاص)
جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواقفه الأخيرة بين تهديد نووي مُوجّه إلى روسيا، وتلويح بالتصعيد ضد حركة حماس في غزة، في حال رفضت الأخيرة خطته للسلام.
هذا التداخل في الخطاب السياسي والعسكري يثير تساؤلات حول ما إذا كان ترامب يسعى إلى فرض معادلة ردع شاملة على أكثر من جبهة في آن واحد، أم أنه يوظف هذه اللغة ضمن تكتيك تفاوضي يهدف إلى تكريس صورته كصاحب اليد العليا في الملفات الدولية والإقليمية.

قال الدكتور ديميتري بريجه، الباحث السياسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، في حديث خاص لموقع "مانشيت"، إن الجمع بين رسائل التهديد النووي التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لروسيا، وبين تهديده لحركة حماس بالتصعيد إذا رفضت خطة السلام، يكشف عن محاولة أميركية لإعادة رسم معادلة ردع شاملة على أكثر من جبهة في وقت واحد.
ولفت بريجه إلى أن هذه الرسائل لا يمكن قراءتها فقط في إطار التهديد المباشر، بل هي أيضًا جزء من تكتيك تفاوضي، يسعى ترامب من خلاله إلى الظهور بمظهر صاحب اليد العليا في الملفات الدولية والإقليمية معًا.
السياسة الدولية.. ردع أم دبلوماسية؟
أشار بريجه إلى أن الدول التي تواجه مثل هذه الضغوط الأميركية تجد نفسها أمام خيارين، إما الانصياع لهذه السياسات أو تعديل مواقفها، وذلك عبر أدوات متعددة منها الأساليب العسكرية، أو التهديد والردع، أو عبر القنوات الدبلوماسية مثل إعادة صياغة اتفاقيات معينة.
ونوه إلى أن هذا النمط ليس جديدًا في العلاقات الدولية، بل يمتد جذوره إلى مرحلة ما بعد الثورة العربية الكبرى، حين خدع البريطانيون العرب بإعطائهم وعودًا بإنصافهم وإقامة دولة لهم، بينما كان الهدف الحقيقي هو تفكيك الدولة العثمانية وتعزيز النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط.
الخداع جزء من اللعبة السياسية
أكد بريجه أن المقارنة التاريخية تُبرز الخداع كعنصر ثابت في السياسة الدولية، حيث تُجبر أطراف على تبني أدوار محددة ضمن لعبة توازن القوى. وأوضح أن السياسة الحديثة تقوم على صراعات متشابكة ومرتبطة بالحروب والقادة والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، والتي تتطلب تكييفاً مستمراً تبعاً للمتغيرات العالمية.
وأوضح أن التغييرات في الإدارات الأميركية أو السياسات الروسية ليست مجرد تفاصيل داخلية، بل هي عوامل تؤثر بشكل مباشر على استقرار النظام الدولي بأسره.
الولايات المتحدة ومحاولة فرض واقع جديد
بين بريجه أن أي خطاب أميريكي من هذا النوع يندرج في إطار محاولة فرض واقع جديد، وإظهار الولايات المتحدة كقوة مهيمنة قادرة على رسم السياسات الدولية، وأضاف أن هذا النهج يعكس وجهًا استراتيجيًا ممتدًا منذ منتصف القرن العشرين، حين سعت واشنطن إلى تكريس سياسة أحادية القطبية عقب الحرب العالمية الثانية، وقد ظهر الاتحاد السوفيتي آنذاك وغير الكثير من موازين القوى، أما اليوم فإن العالم يتجه أكثر فأكثر نحو نظام متعدد الأقطاب.
أوكرانيا ساحة اختبار
وألمح بريجه إلى أن الأزمة الأوكرانية تمثل النموذج الأوضح لهذا الصراع، حيث تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى فرض واقع جديد على روسيا عبر أوكرانيا الشرقية ودونباس وشبه جزيرة القرم.
وقال هذه الملفات تعكس بدقة أن السياسة العالمية ليست سوى سلسلة من محاولات فرض الوقائع بالقوة أو عبر أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، وهو ما يجعل من أوكرانيا ساحة اختبار لمعادلات النظام الدولي الجديد.
