المشاهير الجدد وصناعة الوهم.. حين يتحول التريند إلى أسلوب حياة
في عصر تحكمه السرعة وتتصدر فيه "التريندات" واجهة المشهد الرقمي، بات من الواضح أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه، بل أصبحت قوة مؤثرة توجه سلوكيات الشباب والأطفال بطريقة قد تحمل في طياتها مخاطر حقيقية؛ هوس اللحاق ب"التريند" لم يعد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى نمط حياة يسيطر على عقول فئة واسعة من المجتمع، ويؤثر على قراراتهم اليومية، وتوجهاتهم المستقبلية.
ما هو التريند؟ ولماذا يجذب الشباب؟
"التريند" ببساطة هو كل ما هو شائع أو منتشر بكثافة على الإنترنت، سواء كان مقطعًا مصورًا، تحديًا، أو حتى عبارة هذه الظواهر تنتقل كالنار في الهشيم لتدفع المستخدمين، خاصة صغار السن، إلى التقليد والمشاركة من أجل الحصول على "الإعجابات" و"المشاهدات" والاهتمام المجتمعي؛ لكن ما يبدو سطحيًا في مظهره، يخفي وراءه دوافع نفسية واجتماعية أعمق، من بينها الرغبة في القبول، وإثبات الذات، والشعور بالانتماء.
التأثير السلبي لهوس التريند
رغم أن بعض التريندات قد تكون بريئة أو ترفيهية، إلا أن العديد منها يحمل رسائل خاطئة أو يشجع على سلوكيات غير سليمة، مثل:
- تقليد أعمى دون وعي بالعواقب: كثير من التحديات المنتشرة على "تيك توك" مثلًا، تنطوي على مخاطر جسدية أو قانونية.
- انهيار الخصوصية: أطفال ومراهقون ينشرون تفاصيل دقيقة من حياتهم اليومية بهدف جذب المتابعين، دون إدراك لمخاطر التعرض أو التنمر.
- الضغط النفسي والسعي وراء القبول: التنافس المستمر على الظهور قد يؤدي إلى القلق، والاكتئاب، والشعور بالفشل في حال عدم النجاح في "ركوب التريند".
- تبني سلوكيات غير لائقة: مثل استخدام ألفاظ غير مناسبة، أو تصرفات تخالف القيم الاجتماعية، فقط لجذب الانتباه أو إثارة الجدل.
دور الأسرة والمؤسسات التربوية
في مواجهة هذه الظاهرة، لا يكفي المنع أو التوبيخ بل يجب أن يكون هناك دور استباقي وواعى من الأسرة والمدرسة والمجتمع:
- الحوار والاحتواء: التحدث مع الأبناء حول ما يشاهدونه، وتشجيعهم على التفكير النقدي تجاه المحتوى.
- التثقيف الرقمي: تعليم الأطفال كيفية استخدام الإنترنت بشكل آمن، وما الذي يعتبر محتوى موثوقًا أو مضللًا.
- النماذج البديلة: تقديم قدوات إيجابية على مواقع التواصل، تشجع على الإبداع، التعليم، والاحترام.
- الرقابة الذكية: استخدام أدوات مراقبة مناسبة للعمر، دون أن تتحول إلى تجسس أو تقييد خانق.
بين الترفيه والخطر.. وعي الجيل هو الحصن الحقيقي
لن يتوقف التريند ولن تختفي السوشيال ميديا من حياة أبنائنا، لكن ما يمكننا فعله هو بناء وعي متوازن يجعلهم يميزون بين ما هو مسلى وما هو خطر، بين ما يكسبهم مهارات وبين ما يفقدهم القيم.
صناعة المحتوى ليست مشكلة، لكن استهلاكه بلا وعي هو التحدي الأكبر والمستقبل، كما يقال، يصنع الآن... بنقرة، أو مشاركة، أو فيديو قد لا يتجاوز 30 ثانية، لكنه يترك أثرًا قد يدوم لعمر كامل.
