كورسيكا.. هل يتحول مشروع الحكم الذاتي إلى "قنبلة دستورية موقوتة" في فرنسا؟
في خضم السعي الفرنسي لإرضاء المطالب الجهوية واللغوية في كورسيكا، يزداد الجدل حول مشروع الحكم الذاتي الجديد الذي تسعى الحكومة لتمريره، وسط تحذيرات من تحوّله إلى سابقة دستورية خطيرة تهدد وحدة الجمهورية الفرنسية، وتفتح الباب أمام موجات انفصالية جديدة.
مشروع الحكم الذاتي: بين الطموح والإرباك الدستوري
يرى خبراء سياسيون ودستوريون أن الصيغة المقترحة للحكم الذاتي، وإن كانت استجابة رمزية لتاريخ كورسيكا وهويتها الثقافية، تفتقر إلى مقاربة شاملة توازن بين الحقوق الثقافية والعدالة الاقتصادية والاجتماعية.
ويحذر الدكتور بنجامين موريل، أستاذ القانون العام في جامعة باريس 2، من أن المشروع الحالي قائم على تعابير "رمزية مشحونة" مثل تعريف سكان كورسيكا بـ"جماعة تاريخية ذات ارتباط خاص بالأرض"، ما قد يُستغل لاحقًا كحجة انفصالية.
"الاستثناء الكورسيكي".. سابقة قد تعمق الانقسامات
تثير بنود المشروع تساؤلات قانونية شائكة، خصوصًا فيما يتعلق بتوزيع السلطة التشريعية بين كورسيكا والدولة المركزية إذ لم يحسم بعد التسلسل القانوني بين القوانين المحلية والوطنية، مما ينذر بظهور ازدواجية دستورية تمس وحدة النظام القانوني الفرنسي.
ويؤكد مراقبون أن صياغات المشروع الحالية قد تغري أقاليم فرنسية أخرى، كالألزاس أو البريتاني، بالمطالبة بوضع مشابه، مما يُهدد تماسك الدولة الفرنسية.
قلق اجتماعي واقتصادي أعمق من الهوية
يرى المفكر السياسي أوليفييه روين أن الإصرار على معالجة القضية الكورسيكية من منظور هوياتي ولغوي فقط يعتبر خطأ استراتيجيًا، مشيرًا إلى أن جذور الأزمة تكمن في الفقر والبطالة والتهميش الاقتصادي.
ويضيف: "كورسيكا من أفقر أقاليم فرنسا، ومع ذلك لا تُطرح خطط تنموية حقيقية. ما يحدث هو تقديم تنازلات سياسية بدل حلول عملية".
نداء لإعادة ترتيب الأولويات
من جانبه، يدعو القيادي الشيوعي ميشيل ستيفاني الحكومة الفرنسية للعودة إلى الأساس، قائلاً: "على مدى أربعين عامًا، جرى تعديل الوضع القانوني لكورسيكا مرارًا، دون أن تتحسن الظروف الاجتماعية، بل ازدادت تعقيدًا".
الحل الحقيقي.. عدالة تنموية لا اعتراف رمزي
يتفق معظم الخبراء على أن الحل يكمن في إطلاق خطة اقتصادية شاملة تعالج تحديات البطالة والبنية التحتية والفرص التعليمية، بدل الاكتفاء بتعديلات رمزية في الدستور.
فالاعتراف بالتنوع لا يجب أن يأتي على حساب الوحدة، والهوية الثقافية يجب ألا تستخدم كغطاء لعجز الدولة في تلبية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
بينما تسعى باريس لتهدئة مطالب كورسيكا بحكم ذاتي، يحذر خبراء من أن تجاهل البعد الاجتماعي قد يحول المشروع من مبادرة إصلاحية إلى مغامرة دستورية محفوفة بالمخاطر، قد تفتح شهية أقاليم أخرى للمطالبة بالمثل، وتقوض تماسك الجمهورية الفرنسية.
