أسعار الدواء في مصر بين مطرقة التضخم وسندان التسعير الجبري.. هل ينهار القطاع؟
شهدت سوق الدواء في مصر خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق في حجم الإنفاق والمبيعات، وسط قفزات سعرية أججها تحرير سعر الصرف وتضخم عناصر التكلفة، في وقت لا يزال فيه التسعير الجبري يقيد حركة الشركات ويضع الحكومة تحت ضغط مزدوج: الحفاظ على وفرة الدواء من جهة، وضبط الأسعار من جهة أخرى.
ارتفاع قياسي في مبيعات الأدوية
خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2025، تجاوزت قيمة مبيعات الدواء عبر الصيدليات فقط 160 مليار جنيه، مقارنة بـ106 مليارات في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بنمو يناهز 50%. وعلى مدار عام 2024، بلغ إجمالي الإنفاق الدوائي نحو 309 مليارات جنيه، بحسب بيانات مجلس الوزراء، ما يعكس حجم الضغط على المستهلك في ظل زيادة الأسعار وتضاؤل القدرة الشرائية.
الدواء.. سلعة استراتيجية في عين العاصفة
الزيادة اللافتة في مبيعات الأدوية لا تعني بالضرورة تحسنًا في القطاع، بل تعكس بدرجة كبيرة الأثر التضخمي الناتج عن رفع الأسعار، خاصة بعد ارتفاع أسعار 2500 مستحضر دوائي بنسب وصلت إلى 40% في أعقاب تحرير سعر الصرف في مارس 2024.
يؤكد ذلك علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، موضحًا أن زيادة الأسعار لم تكن كافية لمجاراة ارتفاع تكاليف الإنتاج، مشيرًا إلى أن الشركات تقدمت مؤخرًا بطلب لرفع أسعار 1000 مستحضر إضافي بنسبة 10%.
الأزمة في عمقها: تكلفة بلا هامش ربح
يمثل تحرير سعر الدولار من 30 إلى 50 جنيهًا ضربة قاصمة للقطاع، خاصة أن المواد الخام والأدوية المستوردة تسعر بالدولار، ما أدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج بنسب تفوق ما أقرّته هيئة الدواء من زيادات.
من هنا، تتعالى الأصوات المطالبة بإعادة النظر في منظومة التسعير الجبري، والتي تلزم الشركات بالحصول على موافقات رسمية قبل أي تعديل في الأسعارهذه الآلية، رغم أنها تحمي المستهلك نظريًا، إلا أنها أدخلت الشركات في نفق من الخسائر المتراكمة.
مكملات غذائية في الواجهة
من اللافت في المشهد الحالي، أن المكملات الغذائية أصبحت تشكّل أكثر من 15% من سوق الدواء في مصر، بحسب محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة؛ ويعزى ذلك إلى ما بعد جائحة كوفيد-19، حيث زاد وعي المواطنين بضرورة دعم المناعة، فضلًا عن تحرير تسعير هذه المنتجات قبل أربع سنوات، ما جعلها خارج نطاق الرقابة السعرية الصارمة.
الحكومة تحاول ضبط التوازن
في المقابل، تحاول الحكومة المصرية أن تحافظ على توازن هش في سوق الدواء رئيس الوزراء مصطفى مدبولي صرح بأن الدولة تتابع مطالب الشركات، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى استقرار السوق، مؤكدًا أن الدواء سيظل سلعة استراتيجية تحظى بالدعم.
كما كشف مسؤول حكومي عن وجود تحديث مرتقب في آليات التسعير الجبري، سيتيح للهيئة مرونة أكبر في تعديل الأسعار بما يتناسب مع تغير التكاليف أو تحركات سعر الصرف، عبر آلية ديناميكية منتظرة قبل نهاية 2025.
إلى أين يتجه السوق؟
في ظل استمرار التضخم، وتذبذب سعر الدولار، وتنامي الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي، فإن الوصول إلى معادلة عادلة بين التكلفة والسعر سيبقى التحدي الأبرز؛ ورغم التوقعات بوصول مبيعات الدواء إلى 320 مليار جنيه بنهاية العام، فإن هذا النمو لا يترجم بالضرورة إلى أرباح، بل إلى عبء متزايد على المواطنين، وهامش ربح متآكل لدى الشركات.
