خاص| محللون: الغارة الإسرائيلية على الدوحة تقوّض الوساطة القطرية وتعيد صياغة التوازنات الإقليمية
أحدثت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة القطرية الدوحة صدمة سياسية وأمنية في المنطقة، إذ مثلت سابقة هي الأولى من نوعها باختراقها أجواء دولة خليجية ذات سيادة لتنفيذ عملية عسكرية يُزعم أنها طالت قيادات من حركة حماس.
واستهدفت إسرائيل العاصمة القطرية الدوحة، أمس الثلاثاء، في غارة جوية دقيقة أطلقت عليها اسم «قمة النار»، وقالت إنها تقصد بها قيادة حركة حماس.
الحدث لم يُقرأ باعتباره مجرد ضربة عسكرية محدودة، بل كتحوّل استراتيجي ينقل الصراع مع الحركة الفلسطينية من غزة إلى قلب الخليج، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على قواعد الاشتباك، وعلى مستقبل الوساطات الإقليمية التي اضطلعت بها قطر خلال السنوات الماضية.
ومن هذا المنطلق، استطلع "مانشيت" آراء خبراء وباحثين سياسيين حول دلالات هذه الخطوة وانعكاساتها المحتملة، وأكد الدكتور بدر الماضي، أستاذ العلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية، أن ما جرى يمثل تحولًا في الذهنية الإسرائيلية أكثر منه تغييرًا في قواعد الاشتباك، فيما أوضح الدكتور أحمد يونس، الباحث الأكاديمي والمحلل السياسي، أن العملية تفتح مسرحًا جديدًا للمواجهة قد يعيد صياغة التوازنات الإقليمية والدور القطري في الوساطات.
تحوّل في الذهنية السياسية
أكد الدكتور بدر الماضي، وفي حديث خاص لموقع "مانشيت"، أن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة لم تكن مجرد ضربة عسكرية تقليدية، بل محاولة اغتيال تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز حدود العمل العسكري.
وأوضح أنها تمثل تحولًا نوعياً ليس فقط في السلوك الحربي الإسرائيلي، بل في الذهنية السياسية التي تحكم صانع القرار في تل أبيب.
ولفت الماضي إلى أن إسرائيل بعثت عبر هذه الضربة برسالة واضحة مفادها أنها لم تعد تقيم وزنا لمعادلات التحالف أو الصداقة أو حتى لدور الوسطاء الذين أسهموا لعقود في إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وأشار إلى أنها تتعامل مع المنطقة وكأنها تجاوزت مرحلة معاهدات السلام واتفاقيات التطبيع، في ظل غطاء أميركي وفر لها مظلة سياسية وعسكرية للاستمرار في سياساتها دون خشية من تبعات إقليمية أو دولية كبيرة.
وشدد الماضي على أن أحد أبرز الانعكاسات المباشرة لهذه الغارة هو اهتزاز الدور القطري التقليدي كوسيط رئيسي في التهدئة، خاصة أنّ قطر وفرت عبر سنوات طويلة منصة للتواصل مع الحركات الإسلامية والجهادية في المنطقة.
ورأى أن قطر قد تجد نفسها مضطرة للانسحاب من هذا الدور، لا بسبب ضعف قدراتها فحسب، بل لأنّ أمنها الداخلي يمكن اختراقه بسهولة في ظل هذا السلوك الإسرائيلي الجديد، مما يجعلها أكثر حذرًا من الانخراط في ملفات الصراع المقبلة.
تحول في قواعد الاشتباك ومسرح المواجهة
وفي نفس السياق، أوضح الدكتور أحمد يونس، أن الغارة الإسرائيلية على الدوحة مثّلت نقطة فاصلة من حيث الطابع الجغرافي والقانوني للصراع.
وأكد أنها المرة الأولى التي تشهد فيها عاصمة خليجية عملية عسكرية إسرائيلية مباشرة، وهو ما يغيّر بصورة واضحة مفهوم حدود المسرح الذي ظل يحكم قواعد الاشتباك خلال السنوات الماضية.
ونوه يونس إلى أن توسيع نطاق الضربات خارج غزة قد يحوّل المواجهة من صراع محلي إلى صراع إقليمي واسع الأبعاد، إذ إنّ أي هجوم على أراض خليجية يرتبط مباشرة بمسائل السيادة الدولية ويستدعي ردود فعل دبلوماسية وأمنية من دول المنطقة وشركائها الدوليين.
أثر مباشر على الوساطة القطرية والعلاقات الإقليمية
وربط يونس بين هذه التطورات والدور القطري، مشددا على أن الغارة تضعف من مصداقية الدوحة كوسيط محايد. فالمكان الذي يُفترض أن يكون آمنًا لإدارة المفاوضات لم يعد بمنأى عن الاستهداف، وهو ما يثير مخاوف الأطراف من اللجوء إلى قطر مستقبلا.
وأضاف أن الغارة قد توتّر علاقات الدوحة مع إسرائيل ومع بعض شركائها الإقليميين، كما قد تضع واشنطن في موقف حرج إذا تبيّن أنها كانت على علم بالعملية أو وفّرت غطاءً لها.
ولفت إلى أن الأثر الأمني على مسارات التفاوض خطير، إذ قد يؤدي إلى تجميد أو إعادة هيكلة قنوات الوساطة بالكامل في حال وقوع خسائر بشرية بين الوسطاء أو الوفود، فيما سيؤدي مجرد النجاة من العملية إلى فرض شروط أمنية أكثر صرامة وإلى اهتزاز الثقة بين الأطراف.
رؤية مشتركة واختلاف في التفسير
وبينما ركز الدكتور أحمد يونس على البعد الجغرافي والقانوني وتحولات قواعد الاشتباك، شدد الماضي على أن ما جرى يعكس تحولًا أعمق في الذهنية الإسرائيلية التي لم تعد تعبأ لا بتحالفات ولا بوسطاء، مدعومة بغطاء أميركي، ومع ذلك، يلتقي الخبيران عند نقطة مركزية: أن الغارة الإسرائيلية على الدوحة لم تكن حدثا عابرًا، بل محطة فارقة تهدد بتقويض الدور القطري التاريخي في الوساطات، وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفي التوازنات الإقليمية عمومًا.
وأوضح المحللان (يونس والماضي) أن الغارة الإسرائيلية على الدوحة شكلت تحولا نوعيا مزدوجا: فهي من جهة أعادت رسم حدود مسرح المواجهة لتشمل عواصم خليجية، ومن جهة أخرى عكست تغيرًا في الذهنية السياسية الإسرائيلية التي باتت تتعامل مع المنطقة بمنطق القوة وحدها.
