فلامانفيل 3.. مشروع نووي فرنسي يتعثر مجددًا ويثير تساؤلات استراتيجية
في الوقت الذي تعتبر فيه فرنسا الطاقة النووية أحد أعمدة أمنها الطاقي وخيارًا استراتيجيًا للتحول البيئي، تواجه طموحاتها تحديات ملموسة تتجسد في مشروع مفاعل "فلامانفيل 3"، الذي أصبح رمزًا لتباطؤ الصناعة النووية في البلاد.
مفاعل بتكلفة قياسية وتأخير مستمر
يعد مفاعل "فلامانفيل 3" الأحدث والأكثر تكلفة في تاريخ البرنامج النووي الفرنسي. ورغم وعود استئناف تشغيله في أغسطس/آب الجاري، أعلنت شركة كهرباء فرنسا (EDF) عن تأجيل جديد حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول، بسبب الحاجة إلى أعمال صيانة وقائية على أحد صمامات الدائرة الرئيسية.
وكان المشروع قد شهد سلسلة من التأخيرات منذ انطلاقه، حيث تأجل تشغيله الكامل لأكثر من 12 عامًا عن الموعد المقرر، ما أثار انتقادات واسعة حول كفاءة إدارة المشروعات النووية الكبرى في البلاد.
باحث اقتصادي: المشروع مرآة لأزمة الصناعة النووية
في تعليق لـ"العين الإخبارية"، قال كورنتان لافوركاد، أستاذ الاقتصاد بجامعة باريس الجنوبية والباحث في معهد مونتين الفرنسي:
"مشروع فلامانفيل بات مرآة تعكس واقع الصناعة النووية في فرنسا.. طموحات ضخمة يقابلها تنفيذ مليء بالتعقيدات التقنية والتنظيمية".
وأشار لافوركاد إلى أن الأزمة لا تقتصر على الجانب الفني، بل تمتد إلى التأثير السلبي على ثقة الأسواق بقدرة فرنسا على قيادة تحول طاقي ناجح، مضيفًا:
"في عصر تتجه فيه الدول إلى مصادر طاقة أكثر مرونة وأقل تكلفة، تمثل التأخيرات في المشاريع النووية تكلفة مضاعفة ماليًا وسياسيًا".
EDF تقلل من حجم المشكلة
ورغم التخوفات، أكدت شركة كهرباء فرنسا أن التأخير الأخير ناتج عن أعمال صيانة وقائية وليس عن خلل جديد في هيكل المفاعل. وذكرت صحيفة "ليزيكو" الفرنسية أن التسرب تم اكتشافه أثناء إيقاف مخطط له في 19 يونيو/حزيران الماضي، وأصيب صمامان من أصل ثلاثة في الدائرة الأساسية للمفاعل.
وأوضحت الشركة أن المفاعل، الذي تم ربطه بالشبكة الكهربائية في نهاية 2024، سيخضع لاختبارات إضافية قبل الوصول إلى طاقته التشغيلية الكاملة، والتي كانت مقررة نهاية صيف 2025.
التحدي الأعمق: ثقة السوق واستدامة الخيار النووي
ويأتي تعثر فلامانفيل في وقت تتسابق فيه دول العالم نحو الطاقات المتجددة، ما يضع فرنسا أمام تساؤلات جدية حول استدامة رهانها النووي، خاصة مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى البنية التحتية وتأخر سلاسل التوريد المرتبطة بهذا القطاع.
ويطالب خبراء الطاقة والاقتصاد في فرنسا بإعادة تقييم شاملة للحوكمة الصناعية الخاصة بالمشاريع النووية، وتحديد أولويات جديدة تواكب وتيرة التحول الطاقي العالمي، وسط تصاعد الضغوط الشعبية والبيئية.
