معرض "الناسخين" في فرنسا يعيد قراءة روائع اللوفر بعين معاصرة

100 فنان معاصر يستنسخون
100 فنان معاصر "يستنسخون" أعمال فنانين من التاريخ

في خطوة فنية لافتة، وجه متحف اللوفر في باريس دعوة إلى مئة فنان معاصر من مختلف أنحاء العالم، ليشاركوا في مشروع فني غير مألوف، إعادة نسخ أعمال مختارة من مجموعته العريقة، وجاء في نص الدعوة: "تخيل نسخة معاصرة لعمل أصيل من مقتنيات اللوفر".

وقد لبى الدعوة مجموعة متنوعة من الفنانين المعاصرين، من رسامين ونحاتين ومصمّمي فيديو وكتاب، من بينهم أسماء لامعة مثل جيف كونز، وبول مكارثي، وجولي مهريتو، وكاميل هينروت، وكلير تابوريه، وجوليان كروزيه، وغيرهم.

نسخ لا تقل عن الإبداع

أثمرت هذه الدعوة عن مجموعة من الأعمال الفنية المعاد إنتاجها بأساليب حديثة، تعرض حالياً في مركز "بومبيدو - ميتز" في شمال شرق فرنسا، ضمن معرض بعنوان "الناسخون"، الذي انطلق في 12 يونيو الجاري، ويستمر حتى 2 فبراير 2026.

وقال دوناتيان غراو، رئيس البرامج المعاصرة في متحف اللوفر، إن هذه المبادرة "فتحت أفقًا جديدًا لمشاهدة التراث الفني"، مؤكداً أن المعرض ليس مجرد إعادة عرض لأعمال كلاسيكية، بل هو "عرض لناسخين يتفاعلون مع الماضي بعين الحاضر"، وأضاف: "إعادة تفسير التاريخ ليست نقيضاً للابتكار، بل هي وقود له".

بين الأصالة والتكرار حوار فني عبر العصور

يمتد المعرض على مساحة زمنية هائلة، بدءًا من العصور القديمة وحتى القرن التاسع عشر، متيحًا تفاعلًا بصريًا وفكريًا بين الحقب الزمنية المختلفة، ويستعرض كيف يتعايش الماضي مع الحاضر داخل متحف مثل اللوفر، الذي لطالما اعتُبر مرجعًا عالميًا في فنون النسخ والتقليد الأكاديمي.

وتقول إدارة مركز بومبيدو في تعليقها على المعرض: "كان النسخ في قلب التراث الكلاسيكي، إذ يعد وسيلة لفهم القواعد الفنية، وتعلم التقنيات والسرديات البصرية، من أكثر أساليبها تقليدية حتى أكثرها معاصرة".

الفن الحديث بين انقطاع النسخ وتفكيك المفاهيم

ورغم أن أسماء كبيرة في تاريخ الفن مثل بيكاسو وماتيس بدأوا حياتهم الفنية بنسخ أعمال كبار الفنانين، إلا أن الفن الحديث شهد تحوّلًا في هذه العلاقة، حيث انتقل التركيز من التكرار إلى التجريد، ومن التصوير إلى البحث عن مفاهيم جديدة، مما جعل النسخ يبدو وكأنه نقيض للحداثة.

ومع ذلك، يشير المعرض إلى أن العودة للنسخ أصبحت سمة من سمات الفن المعاصر، مدفوعة بالتكنولوجيا الرقمية التي غيّرت مفهوم النسخ نفسه، وجعلته أكثر تنوعاً وشمولاً، فلم يعد الأمر مقتصرًا على الرسم التقليدي، بل توسّع ليشمل المسح ثلاثي الأبعاد، وإعادة بناء الأعمال في عوالم الواقع الافتراضي، وحتى ألعاب الفيديو.

تتضمن الأعمال المعاد إنتاجها ضمن المعرض نسخاً مبتكرة من لوحات شهيرة مثل "الحرية تقود الشعب" لأوجين ديلاكروا (1830)، و"طوف ميدوسا" لثيودور جيريكو، و"صورة رجل" لجيوفاني بيليني، و"محادثة في حديقة" لتوماس غينزبورو، وقد جرى تقديمها بلمسات فنية حديثة تعيد الحياة إلى هذه الكلاسيكيات بأساليب تعبيرية معاصرة.

اللوفرمنبر لتعليم الفن عبر النسخ

يُشار إلى أن متحف اللوفر لم يكن فقط خزينة للفن، بل مدرسة تعليمية بحد ذاته، إذ اعتبره الفنان الفرنسي الشهير بول سيزان "كتاباً ضخماً نتعلم فيه القراءة"، ولا تزال ورشة النسخ فيه قائمة حتى اليوم منذ تأسيسه عام 1793، مما يجعله آخر المتاحف التي تحتفظ بمكتب دائم للنسخ، ومركزًا بارزًا في هذه الممارسة في فرنسا والغرب.