هل حان وقت تقييد حسابات الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي؟
تتزايد الدعوات إلى دراسة فرض قيود أو ضوابط أكثر صرامة على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالبيئة الرقمية وتأثيراتها النفسية والسلوكية والاجتماعية.
ويرى برلمانيون ومختصون أن التجارب الدولية التي اتجهت إلى فرض قيود عمرية على استخدام المنصات الرقمية تستحق الدراسة، بما يسهم في تعزيز حماية الأطفال وضمان استخدام أكثر أمانًا للتكنولوجيا.
وأكدوا أن دولة الإمارات تمتلك بنية تحتية رقمية متقدمة يمكن توظيفها لتطوير آليات دقيقة للتحقق من أعمار المستخدمين عبر الهوية الرقمية، إلى جانب إلزام منصات التواصل الاجتماعي بتوفير مستويات أعلى من الحماية والرقابة المخصصة للأطفال.
مخاطر متزايدة في الفضاء الرقمي
يحذر المختصون من أن الأطفال يواجهون طيفًا واسعًا من التحديات والمخاطر عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، من بينها التنمر الإلكتروني، والاستدراج والابتزاز الرقمي، وانتهاك الخصوصية وسرقة البيانات الشخصية، فضلاً عن الإدمان الرقمي وما يرافقه من آثار نفسية وسلوكية.
تشمل هذه المخاطر ارتفاع معدلات القلق والتوتر، واضطرابات النوم، وضعف التركيز والانتباه، وتراجع الأداء الدراسي، إلى جانب العزلة الاجتماعية والتأثر بالمؤثرين والمقارنات الاجتماعية التي قد تنعكس سلبًا على ثقة الأطفال بأنفسهم وصورتهم الذاتية، فضلًا عن احتمال تعرضهم لمحتوى غير ملائم لأعمارهم.
تنظيم الاستخدام
ويرى الخبراء أن أي توجه نحو سن تشريعات أو وضع ضوابط جديدة لا يهدف إلى عزل الأطفال عن التكنولوجيا أو حرمانهم من مزايا العصر الرقمي، وإنما إلى بناء إطار تنظيمي يضمن الاستخدام الآمن والمسؤول للمنصات الرقمية، ويحد من التعرض للمحتوى الضار أو الاستغلال الإلكتروني أو الممارسات التي قد تؤثر في النمو النفسي والاجتماعي والتعليمي للأطفال.
وفي هذا السياق، يطرح بعض المختصين فكرة تحديد حد أدنى لسن إنشاء الحسابات الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، على غرار ما بدأت بعض الدول في تطبيقه أو دراسته، بما في ذلك اعتماد سن 16 عامًا في بعض الحالات. إلا أنهم يشددون على أن نجاح أي سياسة من هذا النوع يعتمد بالدرجة الأولى على وجود آليات فعالة للتحقق من الأعمار وتوفير مستويات حماية متدرجة تتناسب مع الفئات العمرية المختلفة.
وأكدوا أهمية مراعاة خصوصية المجتمع الإماراتي واحتياجات الأطفال في مختلف المراحل العمرية عند دراسة أي تشريعات أو ضوابط مستقبلية.
مسؤولية مشتركة
وشدد المختصون على أن حماية الأطفال في البيئة الرقمية مسؤولية جماعية تتشارك فيها الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات التنظيمية ومنصات التواصل الاجتماعي نفسها.
ودعوا إلى إلزام المنصات الرقمية بتطبيق إجراءات أكثر دقة للتحقق من أعمار المستخدمين، وتطوير بيئات إلكترونية أكثر أمانًا للأطفال، إلى جانب تعزيز أدوات الرقابة الأبوية وتوفير وسائل وقائية تساعد الأسر على متابعة النشاط الرقمي لأبنائها وتوجيهه بالشكل المناسب.
آثار نفسية وسلوكية تستدعي الانتباه
وتشير دراسات نفسية إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المبكر وغير المنضبط لمنصات التواصل الاجتماعي وبين ارتفاع معدلات القلق والتوتر لدى الأطفال، وانخفاض مستوى تقدير الذات، واضطرابات النوم، وضعف التركيز والانتباه.
يقود التعرض للتنمر الإلكتروني إلى مشاعر الحزن والانطواء والعزلة الاجتماعية، وقد يتطور في بعض الحالات إلى أعراض اكتئابية تؤثر في الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
ويؤكد المختصون أن الأطفال في المراحل العمرية المبكرة يكونون أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى غير المناسب والمقارنات الاجتماعية السلبية، الأمر الذي يجعل الإشراف الأسري الواعي عنصرًا أساسيًا في الحد من هذه المخاطر وتعزيز الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا.
الاستفادة من التجارب الدولية
شهدت السنوات الأخيرة توجه عدد من الدول، من بينها إندونيسيا وألمانيا، نحو دراسة أو تطبيق قيود عمرية على استخدام منصات التواصل الاجتماعي أو إنشاء الحسابات الشخصية، بهدف تعزيز حماية الأطفال من المخاطر الرقمية المتنامية.
ويرى مختصون أن هذه التجارب توفر نماذج يمكن الاستفادة منها عند تقييم الخيارات التنظيمية المناسبة، خصوصًا في ظل التحولات الرقمية المتسارعة واتساع حضور الأطفال في الفضاء الإلكتروني.
وأكدوا أن حماية الطفل تمثل أولوية وطنية، ويجعل ذلك من المهم دراسة إمكانية وضع ضوابط عمرية أكثر صرامة، أو اشتراط موافقة الوالدين وإشرافهم على الحسابات الخاصة بالفئات العمرية الأصغر، إلى جانب تقييم جدوى تحديد سن أدنى موحد لإنشاء الحسابات، بما يحقق التوازن بين الحماية الفعالة وتمكين الأطفال من الاستفادة من الفرص التعليمية والمعرفية التي توفرها التقنيات الحديثة.
