لبنان والأمن الغذائي: تحديات الأزمة واستعدادات الدولة في وجه المجهول

وزارة الاقتصاد..
وزارة الاقتصاد.. لدينا مخزون كافٍ لأربعة أشهر

في بلد يعيش على وقع الأزمات السياسية والانهيارات الاقتصادية، ويقف عند حافة التوتر الأمني الدائم مع إسرائيل، لم يعد الحديث عن الأمن الغذائي ترفاً أو مجرد نقاش موسمي، بل تحول إلى أولوية وطنية تتقدم اهتمامات المواطنين وصانعي القرار على حد سواء.

فبعد سنوات من الانهيار المالي، وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، وتراجع القدرة الشرائية بشكل حاد، بات اللبناني محاصراً في دوامة معيشية ضاغطة، وسط شح الموارد وارتفاع حاد في أسعار المواد الأساسية.

مخاوف من تكرار سيناريوهات الأزمات

تزداد المخاوف في لبنان من تكرار مشاهد سابقة شهدها اللبنانيون خلال الحروب والأزمات، عندما تحولت السلع الأساسية إلى كماليات، وبات الحصول على الخبز أو الوقود مهمة شبه مستحيلة؛ وعلى الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر الماضي، تلوح في الأفق مجدداً احتمالات التصعيد على الجبهة الجنوبية، ليطفو على السطح سؤال حيوي ومقلق: هل يمكن للبنان الحفاظ على سلاسل الإمداد الأساسية في حال اندلاع حرب جديدة؟

وزارة الاقتصاد.. لدينا مخزون كافٍ لأربعة أشهر

وأكد مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة اللبنانية، محمد أبو حيدر، أن لبنان يحتفظ بمخزون استراتيجي من السلع الغذائية يكفي لأربعة أشهر، مشيراً إلى أن الوضع الغذائي لا يزال "تحت السيطرة"، طالما بقيت المعابر البرية والبحرية والجوية مفتوحة وتعمل بكفاءة.

وأضاف أبو حيدر:"لا خوف على ثلاثية الأمن الغذائي: الوصول إلى الغذاء، الحصول عليه، وضمان سلامته التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على انسيابية التوريد."

لبنان يستورد 86% من غذائه

بحسب أرقام وزارة الاقتصاد، فإن لبنان يستورد نحو 86% من حاجاته الغذائية والاستهلاكية، بقيمة سنوية تتراوح بين 18 و19 مليار دولار، مقابل صادرات لا تتجاوز 3 إلى 3.5 مليار دولار فقط.


هذه المعادلة تعكس هشاشة الأمن الغذائي اللبناني، وارتباطه الوثيق بالعلاقات التجارية الدولية، واستمرارية فتح المرافئ البحرية والجوية.

في هذا السياق، أوضح أبو حيدر أن الوزارة عملت على تسهيل دخول البضائع، لا سيما من خلال إنجاز معاملات "البيان الجمركي" إلكترونيًا، ما ساعد على تسريع حركة الاستيراد وخفض زمن التخليص الجمركي.

رقابة صارمة على الأسعار

وفيما يتعلق بارتفاع الأسعار، قال أبو حيدر إن الوزارة تراقب أسعار السلع بدءاً من المستورد، مروراً بالتاجر، ووصولاً إلى نقاط البيع، لضمان عدم تجاوز هامش الربح المسموح به. وأكد أن هناك إجراءات صارمة بحق المخالفين، حيث تُحال الملفات مباشرة إلى القضاء المختص.

وأشار إلى أن الوزارة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات العالمية، كارتفاع أسعار المواد الأولية، تكاليف الشحن والتأمين، والتقلبات في أسعار الطاقة، لكنها تتصدى لمحاولات الاستغلال الداخلي في التسعير.

التحضير للأسوأ.. خطة في حال الحرب

في حال اندلاع حرب أو مواجهة أمنية، أكد أبو حيدر أن الحكومة اللبنانية أعدت خططاً للطوارئ تشمل:

  • مخزون غذائي يكفي لأربعة أشهر
  • مشتقات نفطية تكفي لشهر
  • غاز منزلي لشهرين
  • طحين يكفي لثلاثة أشهر

ولفت إلى أن الحرب الأخيرة لم تشهد حالات هلع جماعي أو طوابير طويلة أمام محطات الوقود أو المخابز، ما يعكس "وعياً شعبياً متزايداً"، وثقة نسبية بقدرة الدولة على إدارة الأزمات.

نموذج هش ولكن قابل للتكيّف

رغم هشاشة منظومة الأمن الغذائي اللبنانية المرتبطة بالاستيراد، إلا أن الدولة تسعى لاحتواء المخاطر عبر تعزيز الرقابة، تسريع الإجراءات الجمركية، وضبط الأسواق؛ لكن تبقى التحديات الكبرى قائمة، في ظل أزمة اقتصادية عميقة، وانعدام الاستقرار السياسي، وتلويح دائم بالتصعيد العسكري.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى الأمن الغذائي أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان، وتحديداً مع تراجع قدرة الدولة على تقديم الدعم، واستمرار اعتماد المواطنين على السوق الحرة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.