التصعيد النووي بين واشنطن وموسكو.. توتر أم لعبة تفاوض على حافة الهاوية؟

نشر الغواصات.. تصعيد
نشر الغواصات.. تصعيد محسوب؟

مع عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عاد الحديث مجددًا عن احتمالات التقارب الأميركي الروسي، وما قد يحمله من فرص لإنهاء الحرب في أوكرانيا؛ لكن الواقع جاء مغايرًا للتوقعات، إذ شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا دراماتيكيًا خطيرًا في العلاقات بين واشنطن وموسكو، بلغ حد التلويح بالقوة النووية.

منصة التصريحات النارية

شرارة التوتر انطلقت بعد سلسلة من التصريحات المتبادلة بين نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، والرئيس الأميركي ترامب، ليبلغ التصعيد ذروته مع إعلان واشنطن نشر غواصتين نوويتين قرب روسيا، في خطوة وصفت بأنها تكرار لأجواء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

ترامب وصف ميدفيديف بأنه "دخل منطقة خطرة جدًا"، مطالبًا إياه بـ"مراقبة كلماته"، ومعلنًا عدم وجود أي علاقة حاليًا مع روسيا؛ أما الرد الروسي، فجاء عبر ميدفيديف نفسه، مؤكدًا أن "روسيا ليست إيران ولا إسرائيل"، محذرًا من أن سياسة الإنذارات المتكررة "خطوات مباشرة نحو الحرب".

نشر الغواصات.. تصعيد محسوب؟

قرار نشر غواصات نووية أميركية من طراز "أوهايو" فسر على نطاق واسع كرد فعل على التصعيد الروسي؛ لكن الباحث في معهد الشرق الأوسط، د. سمير التقي، رأى أن الخطوة لا تعني بالضرورة الدخول في مواجهة نووية، بل تمثل "تدهورًا غير مسبوق في العلاقات".

وأشار التقي إلى أن ما وصفه بـ"خيبة ترامب من تصلب موسكو"، إضافة إلى تغيرات داخلية في المشهد الأميركي مثل صعود الجناح الأمني الجمهوري، وتأثير تيار "الماجا" المتشدد كلها عوامل دفعت نحو سياسة أكثر صرامة تجاه روسيا.

"توم وجيري نووي"؟

أما الباحث السياسي رولاند بيجاموب، فحذر من أن التصعيد يتجاوز مجرد الحرب الكلامية، لافتًا إلى خسائر في البورصات الأميركية بلغت نحو 1.1 تريليون دولار في أعقاب هذه التوترات؛ وقال: "ما نشهده ليس مجرد استعراض، بل لعبة محفوفة بالمخاطر بين ترامب وميدفيديف، وكأنها نسخة نووية من توم وجيري".

وأكد بيجاموب أن إعلان تحريك الغواصات يعد سابقة، لأن قرارات من هذا النوع تكون عادة سرية للغاية، ولا تعلن إلا في حالات استثنائية؛ كما انتقد الأسلوب الإعلامي لميدفيديف، معتبرًا أنه "يتصرف كمدوّن سياسي أكثر من كونه مسؤولًا رفيع المستوى"، رغم احتمال وجود تنسيق مسبق بينه وبين الرئيس بوتين.

بين المرونة والضغط

في المقابل، يبدي الكرملين مرونة نسبية، وفقًا لبيجاموب، الذي أشار إلى تصريحات بوتين الأخيرة حول الانفتاح على "منظومة أمن أوروبية شاملة"، وكذلك عودة السفير الروسي إلى واشنطن، في إشارة إلى الرغبة في الحفاظ على الحد الأدنى من الحوار.

لكن التقي يرى أن ترامب يسعى لفرض "معادلة ردع جديدة"، معتبرًا أن المطالب الروسية "تجاوزت الواقعية"، فيما لا تزال واشنطن غير مستعدة لتقديم تنازلات تعتبرها تهديدًا لمصالحها العالمية.

انقسام الداخل الأميركي

وفيما يعول البعض على الانقسام الأميركي الداخلي لإضعاف موقف البيت الأبيض، يلفت التقي إلى أن "الفوضى الظاهرة في النظام الأميركي لا تعني انهياره"، مشددًا على الفارق الكبير في الوزن الاقتصادي بين واشنطن (17% من الناتج العالمي) وموسكو (2.5%).

سباق إرادات أم لحظة خطر؟

بحسب بيجاموب، فإن الغرب يواجه خيارين أحلاهما مر: إما التصعيد نحو أقصى ضغط على روسيا، مع احتمال الانزلاق النووي، أو التراجع عن دعم أوكرانيا، ما قد يفسر كرضوخ لإرادة موسكو.

وفيما لا تزال احتمالات الحرب النووية بعيدة بحسب رأي المحللين إلا أن التصعيد الخطابي، وتحريك القوى الاستراتيجية، يعكس مناخًا من انعدام الثقة واستعراض القوة.

رغم كل المؤشرات على التوتر، يبدو أن التصعيد الحالي أقرب إلى "لعبة أعصاب" تهدف إلى تعديل شروط التفاوض، لا إلى إشعال حرب؛ لكن كما يقول التقي: "نحن أمام توتر غير مسبوق لا يعني بالضرورة الحرب، بل فرض وقائع جديدة عبر استعراض السلاح".

ويضيف بيجاموب: "عدنا إلى مرحلة الحرب النفسية النووية، حيث تستخدم الغواصات والتغريدات كسلاح سياسي"؛ وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل اقترب العالم فعلًا من حافة الخطر، أم أنها جولة أخرى من جولات الضغط القصوى؟