«الماتشا».. مسحوق أخضر يعيد رسم خريطة المشروبات في العالم

الماتشا
الماتشا

بات مشهد الطوابير أمام المقاهي التي تقدم الماتشا لاتيه أو آيس ماتشا شكل معتاد عليه في شوارع طوكيو المزدحمة كما في مقاهي لوس أنجلوس العصرية، حيث لم يعد هذا المشروب الياباني التقليدي مجرد طقس مرتبط بمراسم الشاي العريقة، بل تحول إلى ظاهرة عالمية تجمع بين التراث والحداثة أو بين الصحة والموضة، وبين الطقوس الهادئة وصخب وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن وراء هذا المسحوق الأخضر الناعم الذي يزين فناجين السيراميك وأكواب الورق حكاية طويلة تمتد من جبال كيوتو المظللة إلى شوارع نيويورك ولندن وباريس، حكاية تعكس كيف يمكن لمشروب بسيط أن يصبح رمزاً للعولمة وللسعي المتزايد نحو حياة أكثر صحة وتوازناً.

الماتشا
الماتشا

ما هو الماتشا؟

تعنى كلمة ماتشا حرفياً الشاي المطحون باللغة اليابانية؛ كما يتميز عن الشاي الأخضر التقليدي بأنه يستهلك كاملاً حيث أن الشخص لا يكتفي بنقع الأوراق في الماء الساخن ثم التخلص منها، بل يشرب مسحوق الورقة الكاملة بعد خفقها بالماء وهذا ما يجعل قيمته الغذائية أعلى ونكهته أكثر كثافة.

ينتج الماتشا من أوراق نبتة تينشا التي تزرع في الظل خلال الأسابيع الأخيرة من نموها؛ هذا الحرمان الجزئي من ضوء الشمس يزيد من تركيز الكلوروفيل ويجعل الأوراق أكثر اخضراراً وثراء بالثيانين وهو حمض أميني يرتبط بتأثير مهدئ يعزز التركيز والصفاء الذهني.

كما ان بعدما يتم حصده تقطف الأوراق يدوياً ثم تبخر سريعاً لتثبيت اللون الأخضر الزاهي ومنع الأكسدة؛ وبعد ذلك تجفف وتزال أعناقها ثم تطحن بين مدقتين حجريتين تقليديتين ببطء شديد؛ وتعتبرعملية الطحن هذه قد تستغرق ساعة كاملة لإنتاج 40 غراماً فقط من المسحوق الناعم، وهو ما يفسر قيمته العالية وندرته مقارنة بأنواع الشاي الأخرى.

رحلة عبر التاريخ.. من الطب إلى الطقوس

دخل الشاي إلى اليابان في القرن التاسع الميلادي عن طريق الرهبان البوذيين الذين عادوا من الصين حاملين معهم بذور الشاي وأسرار تحضيره  ؛ في البداية كان يستخدم لأغراض طبية مثل: علاج التعب، تحسين الهضم، وتعزيز الصفاء الذهني خلال جلسات التأمل الطويلة.

لكن الماتشا كما نعرفه اليوم لم يظهر إلا في القرن السادس عشر، وتحديداً في مدينة كيوتو على يد المعلم الروحي سين نو ريكيو الذي ابتكر مراسم الشاي اليابانية الشهيرة بالنسبة له، و لم يكن تحضير الماتشا مجرد إعداد مشروب بل طقساً فلسفياً عميقاً يرمز إلى البساطة والانسجام والاحترام والسلام الداخلي.

ومنذ ذلك الوقت أرتبط الماتشا ارتباطاً  كليا بالثقافة اليابانية،وبات جزءاً من هوية البلاد تماماً كما هو السوشي أو الكيمونو.

مشروب الماتشا
مشروب الماتشا

ما هي أنواع الماتشا؟

لا يعتبر كل ماتشا متساوياً فهناك درجات مختلفة من الجودة مثل:

  • ماتشا المراسم (Ceremonial Grade): وهو الأعلى جودة يستخدم في مراسم الشاي التقليدية لونه أخضر زاهي وطعمه ناعم بلا مرارة تقريباً.
  • ماتشا بريميوم: يشرب بشكل يومي إما بمفرده أو مع الحليب.
  • ماتشا المطبخ (Culinary Grade): يستخدم في الطهي وصناعة الحلويات والآيس كريم والمخبوزات ويتميز بنكهة أقوى تناسب وصفات الطعام.

وجعل هذا التنوع من الماتشا يخرج من إطار الفنجان التقليدي إلى عوالم أوسع؛ مثل كعكات الماتشا وكوكيز الماتشا وحتى نودلز باللون الأخضر الزاهي.

وأكثر ما يميز الماتشا عن غيره من المشروبات هو تركيبته الغذائية الغنية؛ فهو يحتوي على نسبة عالية من مضادات الأكسدة، خصوصاً مركبات الكاتيكين وأهمها (EGCG)، المعروف بخصائصه في مكافحة الالتهابات وحماية الخلايا من التلف.

ويحتوي كوب من الماتشا على نحو 48 ملغ من الكافيين، وهو أقل قليلاً من القهوة لكنه أكثر من الشاي الأخضر العادي.

الماتشا
الماتشا

وجود الثيانين إلى جانب الكافيين يخلق مزيجاً فريداً مثل طاقة ذهنية هادئة حيث يبقى الشخص متيقظاً من دون توتر أو عصبية؛ وغني بالكلوروفيل الذي يمنحه اللون الأخضر المميز ويساعد على التخلص من السموم؛ كما يحتوي على الفيتامينات A وC وE، بالإضافة إلى البوتاسيوم والكالسيوم.

هذه الخصائص جعلت الماتشا محبباً عند الرياضيين وطلاب الجامعات وحتى العاملين في الشركات الكبرى الذين يبحثون عن بديل للقهوة يمنحهم تركيزاً أطول بدون انهيار مفاجئ في الطاقة.