تداخل المسارات الدولية وهشاشة البنى الداخلية.. قراءة في سيناريوهات التقسيم والهوية بسوريا (خاص)

معاهدة سايكس بيكو
معاهدة سايكس بيكو

مع تزايد تعقيدات المشهد السوري وتشابك مصالح القوى الدولية، تبرز من جديد هواجس التقسيم وقضايا الهوية، وفي مقدمتها الملف الكردي، وبين إرث الحدود التاريخية وصراعات النفوذ الحديثة، تصطدم طموحات القوى الكبرى بضعف البنى الداخلية، مما يضع مستقبل المنطقة أمام سيناريوهات غامضة ومفتوحة على كافة الاحتمالات.

وفي هذا السياق، قدمت الصحفية والباحثة في الشأن السياسي عبير بسام، في حديث خاص لموقع "مانشيت" قراءة تحليلية معمقة لجذور الأزمة المحتملة وتعقيدات العلاقة بين المكونات المحلية في الجزيرة السورية.

الصحفية والباحثة عبير بسام
الصحفية والباحثة عبير بسام

صراعات مزمنة

ذهبت الباحثة عبير بسام إلى أن الاتفاقيات التاريخية لتقسيم المنطقة خلّفت "أزمات بنيوية" ممتدة، مشيرة إلى أن تجاهل حقوق الأكراد في تقرير المصير أدى إلى تشتيتهم جغرافياً وسياسياً بين أربع دول رئيسية هي: تركيا وإيران والعراق وسوريا، ولفتت إلى أن هذا الواقع أدخل المنطقة في دوامة صراعات مزمنة دفعت الدول العربية ثمنها في العراق وسوريا.

وأشارت بسام إلى أن فكرة إقامة دولة كردية ضمن نطاقها التاريخي في جبال زاغروس (شرق العراق) لم تعد مطروحة عمليًا، بسبب الطبيعة الجغرافية القاسية للمنطقة وافتقارها إلى الموارد الطبيعية، فضلًا عن كونها معزولة ومحاصرة، وبينت أن التحولات الإقليمية دفعت باتجاه التفكير في إقامة كيان كردي خارج تلك الحدود التاريخية، في مناطق أكثر انفتاحًا وغنى بالموارد، ما يجعل المشروع أكثر قابلية للحياة من الناحية الاقتصادية والسياسية.

الرؤية الإسرائيلية والتحالفات غير المعلنة

وفي  هذا السياق، نوهت بسام إلى أن إسرائيل لا تزال تنظر إلى (الدولة الكردية المحتملة) بوصفها الحليف الإقليمي الأقوى خاصة إذا أُقيمت في إطار إدارة ذاتية داخل دولة ضعيفة، تعاني من صراعات وطائفية ما يسهل التحكم في مساراتها السياسية، وأكدت أن هذه الرؤية لم تختفِ رغم الحديث المتكرر عن تراجع فرص التقسيم، معتبرة أن ضعف الموقف الكردي الحالي لا يعني انتهاء المشروع، بل ربما إعادة صياغته بأدوات مختلفة.

توازنات إقليمية دقيقة

وأوضحت بسام أن نقل الثقل الكردي من محيط حلب إلى القامشلي (في شمال شرق سوريا) وحصر أي كيان محتمل شرق نهر الفرات، يحقق هدفين أساسيين الأول: وقف المشروع الكردي عند حدود الجزيرة السورية، والثاني: تهدئة القلق التركي ومنع امتداد الصراع الكردي إلى الداخل التركي، وأضافت أن هذا الترتيب يخدم توازنات إقليمية دقيقة، حتى وإن بدا ظاهريًا تقليصًا لطموحات الأكراد.

وأكدت بسام أن المشهد العام لا يزال بالغ التعقيد، مشيرة إلى أنه "لا المنطقة جاهزة لحسم مصيرها، ولا الولايات المتحدة معنية بإظهار الصورة النهائية في الوقت الراهن"، وقالت إن ما يجري اليوم هو بناء تدريجي للمشهد خطوة بعد أخرى وفق مقتضيات اللحظة السياسية من دون إعلان صريح عن الأهداف النهائية.