فلسطين| رواتب أسر الشهداء والأسرى بين الإصلاح والضغوط (خاص)

مانشيت

أثار قرار وقف صرف رواتب أسر الشهداء والأسرى والجرحى وتحويل إدارتها إلى مؤسسة تمكين موجة واسعة من الجدل والغضب الشعبي في الشارع الفلسطيني، وفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان هذا القرار يعكس تحولاً حقيقيًا في نهج السلطة الوطنية الفلسطينية ضمن برنامج الإصلاح، أم أنه جاء استجابة لضغوط خارجية، وما قد يترتب عليه من تأثيرات مباشرة على الشرعية الداخلية في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

الباحث الفلسطيني زيد تيم أمين سر حركة فتح في هولندا
الباحث الفلسطيني زيد تيم أمين سر حركة فتح في هولندا

وفي قراءة تحليلية لهذا التطور قال زيد تيم الباحث الفلسطيني وأمين سر حركة فتح في هولندا بحديث خاص لموقع مانشيت إن التعامل مع هذا الملف يتطلب فصلًا واضحًا بين جوهر الالتزام الوطني تجاه عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، وبين الآليات الإدارية والقانونية التي أُقرت في إطار برنامج إصلاحي أوسع.

إلتزام وطني لا يقبل المساومة

وأشار تيم إلى أن الوفاء لتضحيات الشهداء والأسرى والجرحى وعائلاتهم الصامدة هو التزام وطني وأخلاقي راسخ، لا يجوز إخضاعه للمزايدات السياسية أو توظيفه في معارك داخلية، مؤكدًا أن هذه التضحيات شكلت على الدوام أحد أعمدة الصمود الفلسطيني، وأسهمت في إبقاء صوت فلسطين حاضرًا في كل المحافل الدولية.

وأوضح أن أي نقاش حول آليات الصرف أو إعادة التنظيم المؤسسي لا يعني مطلقًا التخلي عن هذا الالتزام، ولا يجوز تفسيره على أنه تنكر لتضحيات وطنية.

ولفت الباحث الفلسطيني إلى أن إنشاء مؤسسة تمكين جاء استنادًا إلى القرار بقانون رقم 4 لسنة 2025، المتعلق بالمؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي والذي يهدف إلى توحيد برامج الحماية والرعاية الاجتماعية تحت مظلة وطنية واحدة، بما يعزز الشفافية والعدالة والاستدامة.

وبين أن المؤسسة ليست جهة سياسية ولا صاحبة قرار سيادي، بل إطار تنفيذي إداري، أُنيطت به مهمة تنظيم صرف المخصصات وفق معايير مهنية واضحة، تحفظ كرامة المستفيدين وتصون حقوقهم، محذرًا من تحميلها أدوارًا أو مسؤوليات خارج نطاقها القانوني.

إصلاحات شاملة أم ضغوط خارجية؟

أكد تيم أن ما يجري يجب فهمه في سياق برنامج إصلاحي أوسع أعلنت عنه القيادة الفلسطينية يشمل استكمال الإصلاحات السياسية والدستورية، وإعداد الأطر القانونية للإنتقال المنظم من مرحلة السلطة الوطنية إلى مرحلة الدولة الفلسطينية، بجانب تحديث القوانين الإنتخابية وترسيخ مبادئ القانون الواحد والسلاح الواحد والشرعية الواحدة.

وأضاف أن الالتزام بالشرعية الدولية، ومبدأ حل الدولتين، لا يتناقض مع الثوابت الوطنية الفلسطينية، بل يشكل أحد مرتكزات المشروع السياسي الفلسطيني المعترف به دوليًا.

ونوه إلى أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في جوهر القرار، بل في طريقة تمريره، حيث جرى اتخاذه دون تمهيد سياسي أو مجتمعي كاف، ما فتح المجال أمام التأويل والتحريض، وساهم في تصاعد الغضب الشعبي، وهو ما كان يمكن تفاديه عبر حوار وطني شفاف يشرح الأهداف والضمانات بوضوح،

وشدد على أن الشرعية الداخلية لأي قرار لا تبنى بالقانون وحده، بل أيضًا بالثقة العامة والتواصل السياسي المسؤول.

وفي سياق متصل أوضح تيم أن برنامج الإصلاح يشمل كذلك تطوير قطاع التعليم، من خلال مراجعة وتحديث المناهج بما يتوافق مع المعايير الدولية، ويعزز قيم احترام القانون والتسامح، ونبذ العنف والتحريض، دون المساس بالحقوق الوطنية الثابتة أو تشويه الرواية التاريخية الفلسطينية.

وأكد أن هناك ثوابت تاريخية في القضية الفلسطينية لا يمكن القبول بإلغائها أو إعادة صياغتها بما ينتقص من جوهرها، ولا يمكن لأي إصلاح أن يكون على حساب الذاكرة الوطنية

بين الإصلاح والمسؤولية 

أكد تيم على أن صون تضحيات الشهداء والأسرى والجرحى لا يكون عبر الخطاب التحريضي أو التشكيك بالمؤسسات الوطنية، بل من خلال بناء منظومة سياسية ومؤسسية قوية، شفافة، وقادرة على الجمع بين الإصلاح والوفاء الوطني.

وأضاف: «أن هذه اللحظة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والإعلامية، حفاظًا على وحدة الصف الفلسطيني، وحمايةً للشرعية الوطنية في ظل التحديات غير المسبوقة التي تواجه القضية الفلسطينية».