مدير «الشرق للبحوث»: أوكرانيا تحولت إلى مسرح لرسائل القوى الكبرى وصراع بين واشنطن وبكين (خاص)
تتبلور ملامح حرب هجينة تتشعب من صناعة الإلكترونيات الدقيقة والمسيّرات إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والمناورات الدبلوماسية الحادة، في ظل اشتداد التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، ومع ذلك، تظل الحرب الروسية الأوكرانية الميدان الأكثر حيوية وتجسيداً لهذا الصراع العالمي.
ما هي الحرب الهجينة؟
"تتضمن مجموعة من أنماط الحرب المختلفة، بما في ذلك القدرات التقليدية والتكتيكات والتشكيلات غير النظامية والأعمال التي تشمل العنف العشوائي والإكراه والفوضى الإجرامية".
قال الدكتور سمير التقي، مدير مركز الشرق للبحوث، في حديث خاص لموقع "مانشيت"، إن أوكرانيا تحولت إلى مسرح تتقاطع فوقه رسائل القوى الكبرى، واشار إلى زيارة غير معلنة لوزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول إلى كييف، في 18 نوفمبر الماضي، حاملا مبادرة سلام مدعومة من الرئيس دونالد ترامب، تزامنت بعد أيام قليلة مع زيارة رفيعة المستوى إلى موسكو قام بها الجنرال الصيني جانغ يو شيا، أحد أبرز القادة العسكريين في بكين، وهو مؤشر واضح على اشتداد السباق بين القوتين العظميين.

وأوضح أن البيان المقتضب الصادر عن وزارة الدفاع الصينية، أشار إلى بحث الوضع الدولي وتعميق التعاون الاستراتيجي مع روسيا، ما يعكس حرص بكين على تثبيت دعمها لموسكو في مواجهة الضغوط الأميركية والأوروبية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن أو استعداء العواصم الأوروبية علنا. وأكد أن الصين تدير توازنا دقيقًا بين دعم شريكها الروسي والحفاظ على هوامش حركة دبلوماسية واسعة.
روسيا تبحث عن تفاوض
وأشار التقي إلى أن موسكو تسعى إلى دخول أي مسار تفاوضي مع الغرب من موقع آمن، قبل صياغة ردّها النهائي على المقترحات الأميركية، وهو ما يفسر حاجتها إلى معرفة حدود الدعم الصيني بدقة، ونوه إلى أن زيارة جانغ يو شيا جاءت لتمنح الكرملين هذا الاطمئنان، وتكرس مجددا التحالف العسكري السياسي بين موسكو وبكين، في إطار تقسيم أدوار بين قوة نووية منهكة وقوة اقتصادية صاعدة.
وكشف التقي أن تقارير غربية أشارت إلى أن نحو 90 % من المكوّنات الإلكترونية الدقيقة المستخدمة في أحدث المنظومات العسكرية الروسية مصدرها الصين، إضافة إلى استيراد موسكو ما يقارب 900 مليون دولار من هذه المكونات خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح أن الصين تورد أيضا نحو 70 % من المعدات الميكانيكية إلى روسيا، بالتوازي مع تعاون متزايد في مجال تطوير المسيّرات، وتقنيات الاستشعار والاتصال، فضلا عن تبادل البيانات الاستخباراتية والتعاون في مجال الأقمار الاصطناعية.
وأكد مدير مركز الشرق للبحوث أن بكين وموسكو تدركان أن العقوبات الغربية لن تُرفع سريعا أو بقرار مفاجئ ما يعمّق الحاجة المتبادلة بين الطرفين، وأن مستوى الترابط الحالي بين الصين وروسيا بات من الصعب معه أن ينفصل أحدهما عن الآخر، مهما تصاعدت الضغوط الأميركية والأوروبية.
سباق عالمي يتجاوز أوكرانيا
ونوه التقي إلى أن الصراع الصيني - الأميركي يمتد من بحر الصين الجنوبي إلى شينغيانغ ومن أوكرانيا إلى المسارات البحرية عبر القطب الشمالي، في سباق مفتوح للاستفادة من تداعيات الحرب الأوكرانية وإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي.
وأوضح أن مبادرات السلام الأميركية وسط تعدد المقترحات والمقترحات المضادة يمنح بكين وموسكو فرصة إضافية لإطالة أمد التفاوض من موقع قوة، وأشار التقي إلى أن هذا السباق رغم إبتعاده ظاهريا عن منطقتنا سيكون له انعكاسات مباشرة على النظام الدولي ككل، وعلى موازين القوة الإقليمية مؤكدا أن ما يجري اليوم في أوكرانيا قد يرسم ملامح عالم الغد.
