هل يغير الاتحاد الأوروبي سياساته تجاه الأزمات الدولية؟ (خاص)
تعكس تصريحات الاتحاد الأوروبي الأخيرة بشأن تشديد العقوبات على ما يعرف بـأسطول الظل الروسي وتعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا إلى جانب إعداد مذكرة خاصة للتعامل مع تطورات الأوضاع في سوريا ملامح تحول تدريجي في مقاربة بروكسل للأزمات الدولية.
هذا التحول يثير تساؤلات حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي يسعى بالفعل إلى الانتقال من موقع رد الفعل إلى دور أكثر فاعلية وتأثيرا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، أم أنه لا يزال أسير حسابات تقليدية وتحالفات تقيد حركته.

وفي هذا السياق، قال الدكتور ديميتري بريجه، الباحث السياسي ومدير وحدة الدراسات الروسية بمركز الدراسات العربية الأوراسي، في حديث خاص لموقع «مانشيت»، إن الاتحاد الأوروبي بدأ يغير أدواته في التعامل مع الأزمات بحيث باتت السياسات الأوروبية تتعامل مع الأزمات بطريقة مختلفة عما كانت عليه سابقًا.
ولفت إلى أن هذا التحول رغم أهميته الشكلية لا يلغي حقيقة أن السياسات الأوروبية ما زالت منحازة إلى أطراف ورؤى محددة وهو ما يجعل بعض هذه المقاربات خاطئة في صلبها لا سيما بمنطقة الشرق الأوسط.
وأشار «بريجيه» إلى أن الخطأ البنيوي في السياسات الأوروبية يتمثل في الرهان المتكرر على دعم نظام سياسي معين، أو السعي لإسقاط نظام آخر أو دعم طرف سياسي أو عسكري بعينه في مواجهة طرف آخر، مؤكدًا أن هذه المقاربة أثبتت فشلها في أكثر من ساحة إقليمية.
وأوضح أن هذا النمط من السياسات لا يسهم في تحقيق الاستقرار، بل يؤدي غالبًا إلى تعقيد الأزمات وتوسيع دوائر الصراع سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى.
هل هو أمن أوروبي أم تورط استراتيجي؟
وبين الباحث السياسي، أن الحالة الأوكرانية تمثل نموذجًا واضحًا لهذا النهج حيث انخرط الاتحاد الأوروبي بعمق في دعم كييف سياسيًا وعسكريًا، عبر تغذية تيارات وتوجهات سياسية معينة، معتبرًا أن هذا الانخراط وضع الدول الأوروبية في موقف تورط استراتيجي طويل الأمد.
وقال إن أوروبا تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها جبهة أساسية للدفاع عن الأمن القومي الأوروبي الجماعي وهو ما يفسر تشديد العقوبات على روسيا وتوسيع نطاق الدعم العسكري، رغم الكلفة السياسية والاقتصادية المرتفعة.
التأثير الأميركي وحدود الاستقلال الأوروبي
وقال بريجيه إن السياسات الأوروبية، سواء كانت حادة أو ناعمة ظلت تاريخيًا متأثرة بشكل كبير بالولايات المتحدة الأميركية، معتبرا أن هذا التأثير يشكل نقطة ضعف أساسية في استقلال القرار الأوروبي.
وأوضح أن ربط الأمن الأوروبي بأمن الولايات المتحدة يحمل مخاطر كبيرة، خاصة في ظل تقلب السياسات الأميركية من إدارة إلى أخرى ومن الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي، ما يضع أوروبا أمام حالة عدم يقين استراتيجي دائم.
كما قال بريجيه إن مقاربة الاتحاد الأوروبي للشرق الأوسط تحكمها مجموعة من الهواجس أبرزها الخوف من الإرهاب وتداعيات الهجرة والتحولات السياسية غير المستقرة.
وأشار إلى بعض الدول الأوروبية ولا سيما فرنسا وبريطانيا، لا تزال تنظر إلى المنطقة العربية من زاوية إرثها الاستعماري وهو ما ينعكس على سياساتها الحالية سواء في الشرق الأوسط أو في دول القارة الأفريقية، حيث يتكرر النمط ذاته من التدخل والرؤية الأحادية.
وأكد بريجيه أن الاتحاد الأوروبي يحاول اليوم الظهور كفاعل دولي أكثر حضورًا وتأثيرًا إلا أن نجاح هذا التحول يبقى مرهونا بقدرته على مراجعة رؤاه التقليدية والتحرر نسبيًا من الضغوط الأميركية واعتماد مقاربات أكثر توازنًا وواقعية تجاه الأزمات الدولية.
