«معضلة سوريا».. تجنيس الأجانب وبناء الدولة الجديدة
تواجه الإدارة السورية مُعضلة جديدة في ظل التحديات المتسارعة والمتلاحقة التي تعصف بها، إذ تقدم عدد من المقاتلين الأجانب، بطلبات للحصول على الجنسية السورية، معتبرين أنهم قد قدموا خدمات جليلة لسوريا تجعلهم مستحقين لتلك الجائزة، في حين تواجه الحكومة السورية تحديات أمنية، ودبلوماسية واجتماعية جراء بقاء هؤلاء المقاتلين.
التحديات الأمنية و الإقتصادية
ويعتبر هؤلاء المقاتلين أن منحهم الجنسية هو الحل الأمثل لضمان مستقبلهم، خاصةً في ظل رفض معظم الدول الغربية استعادة مواطنيها ممن إنخرطوا في صفوف الجماعات المسلحة في سوريا، بعد تجريدهم من جنسياتهم، وذلك خوفًا من التهديدات الأمنية التي قد يُشكلونها.
كما أن قطاع كبير من المجتمع السوري ينظر إلى وجود مثل هؤلاء بعين الريبة، خاصة في ظل انتماء بعضهم إلى فصائل ذات أيديولوجيات متطرفة، مايجعل وجودهم مثيرًا للتساؤلات حول قدرتهم على الاندماج في نسيج المجتمع السوري، الذي يسعى للتحرر من سنوات عانى فيه من الإرهاب والحرب الأهلية.
إقتصاديًا: فإنه من العسير أن تستثمر المؤسسات والشركات في دولة تمنح جنسياتها لعناصر خطرة أمنية مما يعنى عرقلة التنمية المحلية ومشروعات إعادة إعمار سوريا التي تحتاجها البلاد بقوة لاستعادة مركزها الدولي والإقليمي.
خسارة الدعم الأوروبي
كما تضع مسألة تجنيس المقاتلين الأجانب علاقة سوريا بالاتحاد الأوروبي على المحك، ففي أعقاب مؤتمر المانحين الذي عقدته الدول الأوروبية في بروكسل نهاية مارس الماضي بحضور وزير الخارجية السوري " أسعد الشيباني" قد حذرت رسالة أوروبية، تسلمها الشيباني من مبعوثون دول الإتحاد الأوروبي من أن الدعم الدولي لسوريا قد يتوقف إذا لم تتخذ الحكومة الجديدة إجراءات حاسمة ضد هؤلاء المسلحين.
وأكدت الرسالة الأوروبية، التي تتوافق تمامًا مع «دعوات أمريكية سابقة»، على ضرورة تطهير قوات الأمن من المسؤولين عن المذابح وتحديد مرتكبيها ومحاسبتهم.
كما تعتبر أوروبا أن القضاء على المسلحين المتطرفين هو شرط أساسي لتقديم أي دعم مالي أو سياسي، مؤكدة أنها لن تقدم "شيكًا على بياض" دون مقابل حقيقي.
وقد نجحت الادارة السورية الجديدة في حصد تعهدات بمساعدات بمليارات الدولارات خلال هذا المؤتمر، حيث تعهدت المملكة المتحدة بـ 160 مليون جنيه إسترليني، وألمانيا بـ 300 مليون يورو، والاتحاد الأوروبي بـ 2.5 مليار يورو.
إلا أن هذه المنح الضخمة مُهددة بالضياع إذا استمر وجود المسلحين دون اتخاذ إجراءات رادعة، مما يُضعف فرص إعادة إعمار البلاد في مرحلة ما بعد الحرب.
لذا فإن الإدارة السورية الجديدة تقف أمام مفترق طرق حاسم فعلى الرغم من أن مصلحة سوريا وشعبها تقتضي التخلص من وجود مثل هذه العناصر الخطرة إلا أن هذا يعني أن الحكومة عليها الإختيار بين المخاطرة بإشعال فتيل حرب جديدة ومواجهة هؤلاء المقاتلين، أو أن تخسر دعمًا هائلاً يمكن أن يُنقذ البلاد من الانهيار ليبقى مصير سوريا ومستقبلها رهينةً لقدرة إدارتها على فك شفرات هذه المعضلة المعقدة.
