«تركيا على خطى السعودية».. صفقات المليارات تُشعل سوق الانتقالات
الدوري التركي الممتاز كان يعرف بأنه محطة أخيرة لنجوم كرة القدم الذين يقتربون من نهاية مسيرتهم حتى وقت قريب، أما اليوم فقد تغير المشهد تمامًا، حيث تحولت أندية إسطنبول الكبرى جالطة سراي، فنربخشة، بشكتاش إلى لاعبيين رئيسيين في سوق الانتقالات، لتنافس الدوريات الكبرى وحتى الدوري السعودي، الذي يهيمن في السنوات الأخيرة على العناوين بفضل قوته المالية.
صفقات قياسية في سوق الانتقالات التركي تكسر كل الأرقام
في خطوة تاريخية، دفع جالطة سراي 75 مليون يورو للتعاقد مع المهاجم النيجيري فيكتور أوسيمين من نابولي، وهي أغلى صفقة في تاريخ الكرة التركية وثالث أغلى صفقة في العالم خلال نافذة الانتقالات الحالية، وسيحصل أوسيمين على راتب سنوي صافي يبلغ 21 مليون يورو، بينما ينال ليروي ساني 12 مليون يورو، وجون دوران 20 مليونًا، وتاليسكا 15 مليونًا، هذه الأرقام وضعت سوق الانتقالات التركي في دائرة الضوء عالميًا، رغم الأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
ديون بمليار يورو والإنفاق في سوق الانتقالات مستمر
تكشف الأرقام أن ديون الأندية الأربعة الكبرى جالطة سراي، فنربخشة، بشكتاش، طرابزون سبور، حيث تجاوزت مليار يورو ومع ذلك فإن وتيرة الإنفاق في سوق الانتقالات لم تتباطأ، بل إن هذه الأندية تتصرف وكأنها في أوج قوتها، مدفوعة برغبة جماهيرية كبيرة في تحقيق التفوق المحلي والقاري، حتى لو كان الثمن مديونية ضخمة.
سياسة الخبز والسيرك في سوق الانتقالات
يرى محللون أن الحكومة التركية تغض الطرف عن هذه النفقات الهائلة، بل وربما تدعمها ضمنيًا، معتبرة أن صفقات النجوم في سوق الانتقالات وسيلة لصرف أنظار الجماهير عن التضخم والبطالة، حيث أن الكاتب الرياضي أونور أوزغن شبه الأمر بسياسة "الخبز والسيرك" الرومانية، حين كان الحكام يوفرون الطعام والعروض لإلهاء الشعب عن السياسة.
الجماهير ورقة ضغط والحكومة تمسك بخيوط اللعبة في سوق الانتقالات
أكثر من 90% من مشجعي كرة القدم في تركيا ينتمون للأندية الثلاثة الكبرى، مما يمنح هذه الأندية قوة جماهيرية هائلة تتحول في أوقات الانتخابات إلى "بنك أصوات" ثمين، في المقابل، تحصل هذه الأندية على دعم حكومي عبر إعادة هيكلة ديونها أو إعفائها منها، مقابل السيطرة على روابط المشجعين ومنع الملاعب من أن تتحول إلى منصات احتجاج سياسي.
في عام 2022، صدر قانون يقيد اقتراض الأندية بما لا يتجاوز 10% من إيراداتها السنوية، مع عقوبات تصل إلى السجن للمسؤولين المخالفين، لكن هذا القانون لم يطبق مطلقًا، وهو ما يراه خبراء مؤشرًا على أن السماح بالاقتراض المفرط جزء من آلية إبقاء الأندية تحت تأثير السلطة السياسية، بما يضمن انضباطها داخل وخارج سوق الانتقالات.
الفارق الجوهري بين السعودية وتركيا في إدارة سوق الانتقالات
تحلم الأندية التركية بأن تصبح "السعودية الأوروبية"، لكن الفارق واضح: الدوري السعودي يعتمد على تمويل حكومي مستدام وموارد نفطية ضخمة، بينما الأندية التركية تمول إنفاقها عبر القروض وإعادة هيكلة الديون، في ظل تراجع إيرادات البث وتقلص دخل المباريات والرعاية، هذا يجعل الاستمرار في سباق سوق الانتقالات مغامرة مليئة بالمخاطر.
يبدو أن الحلم التركي بمنافسة السعودية في سوق الانتقالات يصطدم بواقع اقتصادي قاسي، ومع كل فترة انتقالات جديدة، تتسع الفجوة بين الدخل والإنفاق، وربما تأتي لحظة يدرك فيها المشجعون أن الصفقات النارية لا تكفي وحدها للحفاظ على بريق أنديتهم.
