دلالات تصريحات رئيس الأركان الإيراني.. رسالة طهران المزدوجة في مرحلة «ما بعد غزة» (خاص)

مانشيت

في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط وتشابك خيوط الصراع الإقليمي، جاءت تصريحات رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، اللواء عبد الرحيم موسوي، لتثير تساؤلات واسعة حول المغزى الحقيقي للخطاب الإيراني في هذه المرحلة الدقيقة التي تسبق ما يمكن تسميته بـ "ما بعد غزة".

وفي حديث خاص لموقع "مانشيت"، قال الدكتور علاء السعيد، المحلل السياسي والباحث في الشؤون الدولية، إن تصريحات موسوي تحمل أكثر مما تفصح، مشيرًا إلى أنها رسالة مزدوجة موجهة إلى تل أبيب وواشنطن معًا، تؤكد أن إيران لن تسمح بانهيار معادلة القوة التي بنتها على مدى عقدين.

الدكتور علاء السعيد 
الدكتور علاء السعيد 

 

لحظة إقليمية حرجة

ولفت الدكتور السعيد إلى أن تصريحات موسوي لا يمكن قراءتها بمعزل عن المتغيرات الدقيقة التي تُرسم حول طاولة المفاوضات بشأن ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار في غزة، موضحًا أن إيران تدرك أن الحرب لم تنته فعلاً، وأن الهدنة ليست سوى استراحة محاربين، في إشارة إلى أن طهران تنظر إلى الهدوء الحالي كمرحلة مؤقتة يجري خلالها إعادة ترتيب التوازنات.

وأكد السعيد أن حديث موسوي عن أن أي خطأ من الطرف الآخر سيقابَل برد مختلف تمامًا هو تحذير ناعم لكنه حازم، يهدف إلى منع أي محاولة لتقويض نفوذ إيران أو تهديد حلفائها في الإقليم، خصوصًا مع تصاعد النقاشات حول مستقبل غزة والدور الإقليمي لإيران بعد الحرب.

مواجهة غير مباشرة وجبهات بديلة

وأشار الدكتور السعيد إلى أن الخطاب العسكري الإيراني يحمل في طياته لغة أخرى أكثر عمقًا، تعكس استعداد طهران لمرحلة جديدة من المواجهة غير المباشرة تُدار عبر أدوات الوكلاء لا جيوش النظام الرسمي معتبرًا أن إيران تعلم جيدًا أن زمن الحروب الكلاسيكية قد ولى.

وأوضح أن الجبهات الممتدة من جنوب لبنان إلى صنعاء مرورًا بالعراق وسوريا أصبحت تشكل الجدار الدفاعي الإيراني في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وأن تصريحات موسوي تهيئة ذهنية لمرحلة إعادة تفعيل تلك الجبهات إذا شعرت طهران بأن ترتيبات ما بعد غزة تهدد نفوذها أو تقصي حلفاءها من المعادلة.

خطاب موجه للداخل والخارج

وبين السعيد أن خطاب موسوي يحمل دلالة مزدوجة، الأولى موجهة للخارج، لتأكيد أن إيران ليست في موقع الدفاع بل في موقع المتربص الذي يختار توقيت ضربته، وأن الرد الإيراني قد يأتي بطرق غير متوقعة.

أما الثانية فموجهة للداخل، حيث تسعى طهران إلى توحيد الشارع خلف فكرة الكرامة الوطنية في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية، عبر إبراز صورة إيران القوة التي لا تُبتز.

توقيت دقيق ورسالة محسوبة

وأكد الدكتور علاء السعيد أن أهمية التصريح لا تكمن في حدّته بل في توقيته، إذ جاء بعد أيام من تسريبات حول مشاورات إقليمية بين واشنطن والقاهرة والرياض وتل أبيب بشأن المرحلة التالية لغزة.

ونوه إلى أن طهران قرأت المشهد بدقة، وأرادت من خلال تصريحات موسوي أن تقول بوضوح: لا يمكن رسم شرق أوسط جديد دون وجود إيران على الخريطة.

وأكد السعيد أن تصريحات موسوي ليست انفعالية بل جزء من استراتيجية تذكير، تهدف إلى تذكير الخصوم بأن اليد التي تمتد إلى نفوذ إيران ستقابل بنيران غير مرئية، وتذكير الحلفاء بأن المعركة لم تُحسم بعد، وأن زمن ما بعد غزة سيكون أكثر تعقيدًا من زمن الحرب نفسها. وقال: إيران لا تلوّح بالحرب، لكنها تذكّر الجميع بأنها ما زالت قادرة على صناعتها متى شاءت.