انتهاء مفعول الاتفاق النووي.. إيران تتحرر من القيود القانونية وتفاوض من موقع قوة (خاص)

مانشيت

أثارت تصريحات وزير خارجية إيران عباس عراقجي حول انتهاء مفعول الاتفاق النووي تساؤلات عديدة بشأن مستقبل العلاقة بين طهران والغرب. فهل باتت إيران تتحرك كدولة محررة من القيود القانونية الدولية، أم أنها تمارس لعبة الضغط التفاوضي قبيل أي جولة محتملة مع واشنطن؟.

وفي حديث خاص لموقع "مانشيت"، قدم الباحث في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط أسامة حمدي قراءة معمّقة لهذه التطورات، موضحًا أن إيران اليوم تتعامل من موقع قوة لا خضوع، وتسعى إلى إعادة تعريف علاقتها مع المجتمع الدولي على أسس جديدة.

انتهاء مفعول الاتفاق النووي: تحرر قانوني أم تصعيد تفاوضي؟

قال الباحث أسامة حمدي إن تصريحات عراقجي تمثل تحولًا جوهريًا في موقف طهران، مشيرًا إلى أن مرور عشر سنوات على توقيع خطة العمل المشتركة الشاملة عام 2015 يعني أن إيران لم تعد ملزمة قانونيًا بأي من بنود الاتفاق السابق أو قرارات مجلس الأمن المرتبطة به، وعلى رأسها القرار 2231.

ولفت إلى أن إيران تعتبر نفسها اليوم دولة متحررة من القيود، خاصة بعد انتهاء صلاحية آلية "سناب باك" الخاصة بإعادة فرض العقوبات الأممية، مؤكدًا أن طهران ترى أن المجتمع الدولي لم يعد يملك أي غطاء قانوني لمساءلتها بشأن برنامجها النووي. وأوضح أن هذا الموقف الإيراني الجديد يهدف إلى نقل المفاوضات من موقع الدفاع إلى موقع الندّية، بحيث تتحدث طهران من موقع القوة بدلاً من الخضوع لضغط العقوبات والتهديدات الغربية.

غياب الرقابة الدولية وتجميد المفاوضات

وأشار حمدي إلى أن الفترة الحالية تشهد تحررًا تامًا لإيران من الرقابة الدولية، موضحًا أن طهران لم تعد تتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد انسحابها من اتفاق القاهرة، وأنه لا توجد حاليًا أي عمليات تفتيش أو إشراف على منشآتها النووية.

وأضاف أن الحديث عن مفاوضات جديدة في مسقط أو الدوحة لا يتجاوز حتى الآن مرحلة استطلاع النوايا، لافتًا إلى أن القطيعة السياسية بين إيران والغرب ما زالت قائمة، ولم تُعقد أي جلسات مباشرة حتى اللحظة".

المطالب الأميركية والقيود المستحيلة

وبيّن الباحث أن الولايات المتحدة تسعى لفرض شروط قاسية تتضمن تفكيك البرنامج النووي الإيراني والعودة إلى مرحلة ما قبل عام 1980، والوصول إلى صفر تخصيب، مع وقف برنامج الصواريخ الباليستية والتخلي عن الحلفاء الإقليميين.

وأكد أن هذه الشروط تمسّ جوهر الأمن القومي الإيراني، موضحًا أن إيران ترى في هذه المطالب محاولة لتجريدها من أدوات الدفاع والردع، وإضعاف نفوذها الإقليمي الذي بنته عبر حلفائها في لبنان واليمن والعراق وغزة.

ونوه إلى أن الولايات المتحدة تدرك أن إيران لن تتخلى عن ثلاثية القوة (البرنامج النووي، والصواريخ، والحلفاء)، ولذلك تميل واشنطن إلى مقاربة مزدوجة تقوم على الترهيب بالتهديد العسكري، والترغيب بوعود رفع العقوبات وإعادة التعاون الدبلوماسي.

أوراق القوة الإيرانية بين الردع والشرعية

وأوضح حمدي أن البرنامج النووي بالنسبة لإيران ليس مجرد مشروع علمي، بل ركيزة من ركائز الفخر الوطني والسيادة، لافتًا إلى أنه يحقق لإيران مكاسب متعددة، مثل: الردع الإقليمي أمام إسرائيل، وتوليد الطاقة الكهربائية، وتطوير الاستخدامات الطبية، ودعم التنمية الصناعية والزراعية.

وأكد أن إيران تعتبر رفع مستوى التخصيب إلى 90% ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها في أي لحظة، مضيفًا أن هذا الاحتمال يجعل الغرب في حالة قلق دائم من "مفاجأة نووية إيرانية".

الولايات المتحدة بين أولويات الداخل ومأزق فنزويلا

وأشار الباحث إلى أن واشنطن تسعى حاليًا إلى خفض التوترات في الشرق الأوسط بهدف التفرغ لأزمات أخرى، موضحًا أن الولايات المتحدة منشغلة بملف فنزويلا الذي تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي بسبب تنامي النفوذ الصيني والروسي والإيراني هناك.

وأوضح أن إدارة ترامب تسعى إلى إعادة ترتيب أولوياتها الجيوسياسية، ولذلك تعمل على تهدئة الملفات الساخنة في المنطقة، بما في ذلك الملف النووي الإيراني، ليتسنى لها التركيز على مجالها الحيوي في أميركا اللاتينية.

وأكد أسامة حمدي أن إيران اليوم لا تتفاوض من موقع الضعف كما في السابق، بل من موقع "التحرر من الالتزامات القانونية"، معتمدة على رصيد من أوراق القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية. وقال إن طهران ترفض أي مقاربة غربية تنتقص من سيادتها، وتعتبر البرنامج النووي والصاروخي جزءا من هويتها الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن أي اتفاق جديد لن يُبرم إلا وفق الشروط الإيرانية، وبما يضمن بقاءها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.