الملف الكردي.. نقطة التقاطع الحساسة وعقدة التسوية بين دمشق وأنقرة (خاص)
يُعد الملف الكردي اليوم أحد أكثر الملفات تعقيدا في المشهد السوري والإقليمي، إذ تتقاطع فيه الحسابات الأمنية والسياسية والعرقية والاقتصادية، وبينما يرى البعض أنه قد يشكل أرضية لتقارب سوري تركي جديد، لا تزال الخلافات العميقة حول الوجود الكردي في الشمال السوري تُعرقل أي تسوية حقيقية بين دمشق وأنقرة.
قال الكاتب الصحفي الكردي السوري آلجي حسين في حديث خاص لموقع "مانشيت"، إن الملف الكردي بات يمثل نقطة تقاطع حساسة بين النظامين السوري وتركيا، موضحا أن الطرفين وإن اختلفا في معظم الملفات، إلا أنهما يتشاركان النظرة السلبية تجاه الإدارة الذاتية الكردية، التي يصفانها بالنزعة الانفصالية.

ولفت حسين إلى أن المفارقة تكمن في أن الملف نفسه الذي يُعد سبباً رئيسياً للخلاف بين دمشق والإدارة الذاتية، يمكن أن يتحوّل في الوقت ذاته إلى جسر تواصل محتمل بين دمشق وأنقرة، خصوصا في ظل تصاعد المخاوف التركية من تعاظم النفوذ الكردي على حدودها الجنوبية.
مطالب كردية بين اللامركزية والاعتراف الدستوري
وأشار حسين إلى أن الأكراد في سوريا لا يطالبون بالانفصال، بل يسعون إلى نظام لامركزي إداري يضمن حقوقهم الثقافية والاجتماعية واللغوية، مع الاعتراف بهم كمكون أساسي في الدستور السوري.
وأوضح أن هذه المطالب جاءت بعد تجارب قاسية عاشها الأكراد على مدى عقود، سواء في ظل حكم النظام السابق أو خلال صراعهم مع الفصائل المدعومة من تركيا.
وبيّن الكاتب أن الأكراد دفعوا ثمناً باهظاً منذ عام 2011، وتجاوز عدد الضحايا في صفوفهم 15 ألف شهيد بين مدني وعسكري، من مختلف المكونات القومية في شمال شرق سوريا، لافتاً إلى أن تلك المناطق كانت دوماً مهمشة اقتصادياً وسياسياً رغم كونها القلب الزراعي والنفطي للبلاد.
الهواجس التركية والبعد الإقليمي
ونوه حسين إلى أن الهاجس الأمني التركي لا ينفصل عن الداخل، إذ تربط أنقرة بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وحزب العمال الكردستاني، وتعتبرهما امتداداً واحداً يهدد أمنها القومي.
وأضاف أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ينظر إلى أي مكسب سياسي أو إداري لأكراد سوريا على أنه رسالة محفزة لأكراد تركيا الذين يتجاوز عددهم 25 مليون نسمة، مشيراً إلى أن ذلك يشكل هاجساً استراتيجياً لأنقرة، قد يدفعها لمزيد من التشدد حيال الملف الكردي السوري.
ثروات الشمال السوري.. بُعد اقتصادي للنزاع
وأكد حسين أن مناطق الشمال الشرقي السوري ليست مجرد مساحة نفوذ سياسي أو عسكري، بل تمثل السلة الغذائية والاقتصادية لسوريا، حيث تحتوي على أغلب حقول النفط والغاز، إلى جانب إنتاج القمح والقطن والعدس والثروة الحيوانية. وبيّن أن هذا الثراء جعل المنطقة محور تنافس داخلي وإقليمي، ورفع من مكانة المكوّن الكردي كرقم صعب في أي معادلة سورية مقبلة.
اتفاق مارس 2025.. خطوة مترددة نحو التسوية
كما أشار حسين إلى أن المفاوضات الجارية حالياً بين وفود "قسد" والحكومة السورية في دمشق تدور حول اتفاقية 10 مارس 2025، التي وقعها الرئيس السوري أحمد الشرع مع القائد مظلوم عبدي، موضحاً أن الاتفاق ينص على:
-ضمان حقوق جميع السوريين دون تمييز
-الاعتراف بالمجتمع الكردي كمكوّن أصيل
-وقف إطلاق النار الشامل
-دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق البلاد ضمن مؤسسات الدولة
لكن حسين لفت إلى أن غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين ما زال يشكّل عقبة أمام التنفيذ، مشيراً إلى أن الأكراد يتخوفون من نكوص النظام عن التزاماته بعد حوادث القمع والمجازر السابقة، فضلاً عن استمرار السيطرة الكاملة لتركيا على عفرين ومناطق أخرى شمال البلاد.
بين التقارب الحذر والشكوك العميقة
وأكد الكاتب أن الملف الكردي يبقى سيفاً ذي حدين: فهو من جهة يدفع دمشق وأنقرة إلى نقاط التلاقي تحت عنوان محاربة النزعات الانفصالية، لكنه من جهة أخرى يفتح جراحا تتعلق بالثقة، والضمانات، وحقوق الأقليات.
كما أكد أيضا أن أي تسوية حقيقية لن ترى النور ما لم يتم تحقيق توازن دقيق بين وحدة الأراضي السورية والاعتراف بالحقوق القومية للأكراد، وهي المعادلة التي لا تزال حتى الآن بعيدة المنال.
